المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحة النفسية


د/جمال باصهي
15-08-2001, 08:25 AM
اقراء في هذا الباب
1- مفاهيم خاطئه عن الصحه النفسيه
2- الخرف
4- الوسواس القهري
4- الاكتئاب

د/جمال باصهي
15-08-2001, 08:26 AM
مفاهيم خاطئة عن الطب النفسي

يكتبها د. طارق بن علي الحبيب

استشاري وأستاذ الطب النفسي المساعد ورئيس قسم الطب النفسي بكلية الطب والمستشفيات الجامعية بالرياض

الحلقة الأولى

تمهيد

لقد كان علاج المرضى النفسيين في أوروبا في القرون الوسطى يتم على يد رجال الكنيسة ، ولذلك فقد انتشرت الخرافات وساد التطرف بالإيمان في الأمور الغيبية كالسحر وتلبس الجان. وقد كان يتم احتجاز المرضى آنذاك في أماكن سيئة ، ويتعرضون لأسوأ أنواع المعاملة مثل التقييد بالأغلال المثبتة في الحيطان لفترات قد تصل إلى عشرات السنين . كما كانت تلك الأماكن أو الملاجئ مستقلة وبعيدة عن المستشفيات المعتادة ، مما أدى إلى ركود الأبحاث في الطب النفسي وإلى تخلف هذا الفرع من فروع الطب ، وبالتالي عدم إدراك الناس لحقيقته ومدى فائدته

إضافة إلى ذلك فإن الصراع بين العلم والكنيسة في أوربا في القرن الماضي ربما كان أحد الأسباب الأساسية في رفض الناس للطب النفسي . فلقد استطاعت جميع العلوم تقريبا أن تثبت مكانتها وجدارة علمائها مقابل عجز وتخلف رجال الكنيسة -الذين كانوا وللأسف يعتبرون رمزا للدين وأهله في ذلك الوقت في حين أنه قد عجز الطب النفسي أن يحقق ذات المكانة ، وأن ينجح بنفس الجدارة التي نجحت بها غيره من العلوم ، بل إن بعض مؤسسة قد اتخذ موقفا معاديا للدين وابتدع بعض الفرضيات التي زادت من هذا الفصام النكد كتعريف سيجموند فرويد - وهو طبيب نمساوي من أصل يهودي -للدين بأنه وسواس الشعوب

ونظرا لمكانة أوربا في العالم فلقد انتقلت نظرة الرفض تلك إلى الشعوب التي مازالت في بدايات التحضر ( دول العالم الثالث ) ، والتي رفضت بدورها الطب النفسي بدرجة أكبر مما حدث في أوربا ، وذلك لعدة أسباب منها

الأول : أن هذه الشعوب مازال فيها بقية من خير وصلاح وسلامة فطرة إلى حد ما ، مما يجعلها ترفض في أغلب الأحوال أي شيء يبدو في ظاهره وكأنه يتعارض مع الدين .

الثاني : أن كثيرا من أوائل المتخصصين في الطب النفسي في دول العالم الثالث - إلا من رحم الله منهم - كانوا مجرد نسخة لعلماء الغرب ، ولا يختلفون عنهم إلا أنهم كانوا يتحدثون بلغة قومهم .

الثالث : أن الصحوة الإسلامية التي عمت أرجاء العالم الإسلامي في العشرين سنة الماضية قد دعمت هذه النظرة الرافضة في العالم الإسلامي ، وخصوصا في العالم العربي ، دون أن توجد نماذج جيدة كافية من المتخصصين في الطب النفسي ينقحون للناس ويبينون لهم الغث من السمين في الطب النفسي وعلومه .

وفي المقابل فعلى الرغم من بعض البقع السوداء في تاريخ الطب النفسي إلا أن فيه جوانب كثيرة مضيئة تنتفع منها الأمة بشكل كبير إن أحسن القائمون عليه توظيف تلك الجوانب . فليس الطب النفسي وعلومه مجرد عقاقير دوائية وأساليب علاجية ، بل إنه يمكن استخدام شيء منه في خدمة المجتمع وتطويره ، وكذلك أيضا في مجال الدعوة إلى الله

ومما يبهج قلب المسلم انتشار الصحوة الإسلامية في أوساط الأطباء النفسانيين المسلمين ، وحرص عدد منهم على خدمة الإسلام من خلال تخصصه . ولعل بعضا من أولئك المتخصصين المخلصين يصطدم بعض الشيء ويضايقه بعض من تلك النظرات الخاطئة لدى أفراد مجتمعه ، ولذلك فلقد حاولت من خلال هذا الكتيب الذي بين يديك - أخي القارئ - أن اجتهد في توضيح وتصحيح بعض من تلك النظرات الاجتماعية السلبية تجاه الطب النفسي ، راجيا من الله التوفيق والسداد

تعريفـات

من هو الطبيب النفساني ؟

وما طبيعة عمله ؟

وما دراسته التي أهلته لذلك العمل ؟

وما الفرق بينه وبين الاختصاصي الاجتماعي والاختصاصي النفسي ؟



الطبيب النفساني : هو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم العلمي – ثم التحق بكلية الطب ودرس فيها تقريباً لمدة سبع سنوات جميع التخصصات الطبية دون تركيز على تخصص محدد ، مثله في ذلك مثل أي طالب في كلية الطب. ثم حين يتخرج يعمل في جميع التخصصات الطبية الرئيسة لمدة عام واحد ، مثله في ذلك مثل أي طبيب آخر ، يحصل بعدها على بكالوريوس الطب والجراحة ، مما يؤهله للعمل في أي تخصص طبي شاء . وكما يختار زميله الذي تخرج معه في قسم الجراحة أو الباطنة مثلاً فإن من يرغب في أنْ يكون طبيباً نفسانياً فإنه يتجه للعمل في قسم الطب النفسي ، ويمكنه بعد ذلك مواصلة دراساته العليا في الطب النفسي ، والتي يتدرج خلالها من رتبة طبيب مقيم إلى طبيب اختصاصي ( أخصائي ) ثـم إلى رتبة طبيب استشاري إذا حصل على ما يكفي من الشهادات العلمية والخبرة الإكلينيكية . ويتمثل دور الطبيب النفساني في تشخيص الحالة المرضية والبحث في أسبابها النفسية وكذلك العضوية لأنه في الأصل طبيب – كما أسلفنا – ثم يسعى في اختيار العلاج المناسب لها . وقد تحتاج بعض الحالات المرضية إلى بحث اجتماعي فيستعين بالاختصاصي الاجتماعي ، أو عمل بعض المقاييس النفسية مثلاً فيستعين بالاختصاصي النفسي . ويُعد الطبيب النفساني في الأقسام النفسية العمود الفقري للفريق المعالج الذي يتكون عادة من : الطبيب النفساني ، والاختصاصي النفسي ، والاختصاصي الاجتماعي ، وفريق التمريض . كما أن الطبيب النفساني هو الوحيد الذي يحق له صرف الأدوية من بين أفراد الفريق المعالج لما عنده من خلفية طبية . ويقوم الطبيب النفساني أيضاً بعلاج ما يعترض مرضاه من أمراض أخرى ، إن لم يقتض الحال تحويلها إلى طبيب مختص

أما الاختصاصي النفسي : فهو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم الأدبي عادة – ثم التحق بقسم علم النفس في إحدى الكليات النظرية ( التربية أو الآداب عادة ) حيث يدرس فيها ويتلقى تدريبه لمدة أربع سنوات ، يحصل بعدها على بكالوريوس علم النفس ، ثم يتجه بعد ذلك للعمل في أحد القطاعات الحكومة كالمدارس والمستشفيات العامة أو النفسية . ويتمركز عمل الاختصاص النفسي في عمل المقاييس النفسية ، واختبارات الذكاء ، وكذلك عمل بعض الجلسات العلاجية كالعلاج المعرفي ، والعلاج السلوكي ، والعلاج المساند . ويُعد دور الاختصاص النفسي رائداً ومهماً في تكامل عمل الفريق الطبي .

أما الاختصاصي الاجتماعي : فهو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم الأدبي عادة – ثم التحق بقسم الخدمة الاجتماعية أو علم لاجتماع أو ما شابه ذلك من الأقسام على اختلاف مسمياتها في إحدى الكليات النظرية ( التربية أو الآداب عادة ) حيث يدرس فيها ويتلقى تدريـبه لمدى أربع سنوات ، يحصل بعدها على درجة البكالوريوس في ذلك التخصص ، ثم يتجه بعد ذلك للعمل بوظيفة اختصاصي أو مرشد اجتماعي في أحد القطاعات الحكومية كالمدارس والمستشفيات وغيرها . ويتمركز عمل الاختصاص الاجتماعي في بحث المشكلات الاجتماعية والمساهمة في حلها ، وإعداد التقارير الاجتماعية للأفراد الذين يتم تحويلهم إليه . وللاختصاصي الاجتماعي الذي يعمل في المستشفيات دور بارز في تكامل الخدمة الطبية

ويمكن للاختصاصي النفسي وكذلك الاختصاصي الاجتماعي مواصلة الدراسات العليا في تخصصاتهم والحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه ، ثم العمل بعدها أستاذا في إحدى الجامعات أو موظفاً في أحد القطاعات الحكومية الأخرى بما يتناسب مع طبيعة تخصصه ودرجته العلمية

المفهوم الأول

أعتقد بعضهم بأن الصالحين والأتقياء لا يمكن أنْ تصيبهم الأمراض النفسية ، وذلك لأن الأمراض النفسية - في ظنهم – إنما هي فقط بسبب تسلط الشيطان على ضعاف الإيمان

ويبـدو أن هذا الاعتقاد إنما جاء من أمرين

الأول : عـدم إدراك الناس لمعنى المرض النفسي

الثاني : نظرة الناس للأمراض النفسية على أنها مركب نقص

ولبحث هـذا الأمر علينا إبتـداءاً أنْ نفـرّق بين العوارض النفسية والأمراض النفسية

فالعوارض النفسية هي تلك التفاعلات النفسية التي تطرأ على الفرد نتيجة تفاعله مع ظروف الحياة اليومية ، وتستمر لفترات قصيرة ، وقد لا يلاحظها الآخرون ، ولا تؤثر عادة على كفاءة الفرد وإنتاجيته في الحياة ، كما لا تؤثر على عقله وقدرته في الحكم على الأمور . وتعد هذه العوارض النفسية جزءاً من طبيعة الإنسان التي خلقه الله بها ، فيبدو عليه الحزن عند حدوث أمر محزن ، ويدخل في نفسه السرور والبهجة عند حدوث أمر سار . وهذا أمر مشاهد معلوم لا يحتاج لإثباته دليل ، ويحدث لكل أحد من الصحالين والطالحين

أمـا الأمراض النفسية فأمرها مختلف ، وهي لا تقتصر على ما يسميه الناس بالجنون ، بل إن معنى المرض النفسي معنى واسع يمتد في أبسط أشكاله من اضطراب التوافق البسيط إلى أشد أشكاله تقريباً متمثلاً في فصام الشخصية شديد الاضطراب . كما أنه ليس شرطاً أنْ تُستخدم العقاقير في علاج ما يسميه الأطباء النفسانيون بالأمراض النفسية ، بل إن منها ملا يحتاج إلى علاج دوائي فهي تزول تلقائياً ، وربما لا يحتاج معها المريض سوى طمأنته كما يحدث عادة في اضطرابات التوافق البسيطة .

ويعتمد الطبيب في تشخيص الاضطراب أو المرض النفسي – بشكل كبير – على ثلاثة أمور

نوع ( طبيعة ) الأعراض

شـدة الأعـراض

مدة بقاء تلك الأعراض

ولتشخيص المرض النفسي فإنه يجب أنْ يحدث عند المريض أعراض غريبة ، أو ربما أعراض غير مألوفة كالضيق والحزن مثلاً ، وتستمر لمدة ليست بالطارئة أو القصيرة وبأعراض واضحة تكون كفيلة بتشخيص المرض النفسي في تعريف الأطباء . ولذلك فإن من يحزن لفقد قريب أو عزيز ويتأثر بذلك فإننا لا نصفه بأنه مريض نفسي إلا إذا استمر حزنه لمدة طويلة ربما تصل لعدة أشهر أو بضع سنوات وبدرجة جلية تؤثر على إنتاجية ذلك الفرد في أغلب مجالات الحياة ، أو أنْ تظهر عليه أعراض بعض الأمراض النفسية الأخرى كالاكتئاب مثلاً

ولتبسيط الموضوع فإننا نقسم الأمراض النفسية إجمالاً إلى نوعين

الأول : تلك الأمراض التي تؤثر على عقل الفرد فيفقد استبصاره بما حوله ، وتضعف كفاءته وإنتاجيته وقدرته في الحكم على الأمور ، ويحدث فيها أعراض غريبة لم تعهد عن ذلك الفرد ولم تعرف عنه كالاعتقادات والأفكار الغريبة الخاطئة التي لا يقبل معها نقاش ، أو أنْ تتأثر أحد حواسه أو بعضها بما هو غير مألوف له كسماعه لبعض الأصوات التي لا وجود لها حقيقة ، أو وصفه لنفسه بأنه يرى بعض الأجسام دون أنْ يكون لها أي وجود على أرض الواقع

ويمكن أنْ يصيب هذا النوع من الأمراض أي أحد من الناس سواءاً كانوا من الصالحين أو الطالحين إذا توفر ما يدعو لحدوثها من أقدار الله

الثاني : تلك الأمراض التي لا تؤثر على عقل الفرد ولا يفقد معها استبصاره أو قدرته في الحكم على الأمور لكنها تُنقص نشاطه بعض الشيء ، كالحزن الشديد المستمر لفترات طويلة وعـدم قدرة البعض على التوافق مع بعض مستجدات الحياة (اضطراب التوافق ) وغيرها كثير . وقد تصيب هذه الأمراض أيضاً الصالحين وغيرهم من الناس إذا توفر ما يدعو لحدوثها من أقدار الله

ولعلي أعجب من البعض الذين يربطون درجة التقوى والإيمان بامتناع الإصابة بالأمراض النفسية دون العضوية !! فلقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه

وهذا البيان النبوي شامل لجميع الهموم والغموم صغيرها وكبيرها ، وأياً كان نوعها . وفي الأصل أن الأمراض النفسية مثل غيرها من الأمراض ولا شك ، وهي نوع من الهم والابتلاء ، ولذلك فإنها قد تصيب المسلم مهما بلغ صلاحه . كما إنه لم يرد في الكتاب الكريم ولا في السنة المطهرة ما ينفي إمكانية إصابة المسلم التقي بالأمراض النفسية حسب تعريفها الطبي ، ومن نفي إمكانية ذلك فعليه الدليل

ولقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين

هل المؤمن يمرض نفسـياً ؟

فأجاب – حفظه الله - : لا شك أن الإنسان يصاب بالأمراض النفسية بالهم للمستقبل والحزن على الماضي ، وتفعل الأمراض النفسية بالبدن أكثر مما تفعله الأمراض الحسية البدنية

ولعل ما نلاحظه من مراجعة بعض أهل العلم والصلاح للعيادات النفسية ما يشهد بذلك

ولقد وصف أبو حامد الغزالي – رحمه الله – نوبة الاكتئاب الحادة التي أصابته ، وهو المعروف بعلمه وتقواه وورعه . يقول أبو حامد الغزالي " فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة . وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أنْ أدرس يوماً واحداً تطبيباً لقلوب المختلفة إليّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قـوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا أنْ يتروح السر عن الهم الملم

وبالإضافة إلى ذلك فإن انتقال أغلب الأمراض النفسية عبر الوراثة يعكس بوضوح الطبيعة المرضية لتلك الأمراض

وبالرغم من ذلك كله فإن المسلم يتميز عن الكافر وكذلك التقي عن الفاجر في انه يحتسب ما يصيبه عند الله ويستعين بحول الله وقوته على مصائب الدنيا ولا يفقد الأمر مثلما يفقد غيره مما يخفف من أثر المصائب عليه بعض الشيء . ولذلك فإننا نلاحظ حدوث حالات الانتحار في المجتمعات الغربية تفوق بكثير ما يحدث في المجتمعات الإسلامية رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لذلك في المجتمعات الإسلامية ، لكن من عمل من الأطباء النفسانيين في كلا المجتمعين يدرك بوضوح ذلك الفرق



المفهوم الثاني :



اعتقاد بعضهم بأن الأدوية النفسية ما هي إلا نوع من المخدرات ، ولذلك فإنها – في ظنهم – تؤدي إلى الإدمان .



ولعل هذا الاعتقاد جاء من عدة أمور ، منها :



أن صرف الأدوية النفسية كان يتم – وللأسف أنه لا يزال كذلك في بعض المناطق – بوصفات خاصة ذات لون مختلف عن الوصفات العادية ، ولا يتم استلامها إلا بعد إظهار البطاقة الشخصية وتوقيع المريض أو ولي أمره خلف الوصفة الطبية .





حدوث النعاس والخمول كأثر جانبي لتلك الأدوية ، مما يربطها في حس كثير من الناس بآثار المخدرات .





وجود بعض الأمراض النفسية المزمنة التي تستدعي العلاج المستديم فيظن البعض أن عدم قدرة المريض على التكيف مع الحياة والعيش بطمأنينة بدون تلك الأدوية هو بسبب إدمانه عليها لا بسبب طبيعة تلك الأمراض التي تحتاج إلى علاج ربما يمتد مدى الحياة .

تعميق بعض الرقاة – هداهم الله – هذه النظرة الخاطئة في نفوس الناس ، حيث يشترط بعض الرقـاة لرقيته أنْ يتوقف المريض أولاً عن تناول أدويته النفسية لأنها – كما يزعمون – مخـدرات تحبس الجن في العروق !! وتنشف الدماغ !! وتمنع بلوغ أثر القرآن !!.

توقف بعض المرضى النفسيين عن تناول أدويتهم عند حدوث بعض التحسن الجزئي في حالاته النفسية ، مما يؤدي إلى حدوث الانتكاسة ، فيظنون أن تلك الانتكاسة إنما حدثت بسبب إدمانهم على تلك الأدوية .

انتشار الأمراض النفسية بين مدمني المخدرات والكحول .

ولعلنا نتوقف مـع هـذه الأسباب ونناقشها بشيء من التفصيل حسب تسلسلها الذي ذكرناه :



أصبح صرف الأدوية النفسية يتم بطريقة عادية مثل غيرها من الأدوية منذ صدور توجيه مدير عام الرخص الطبية والصيدلة بوزارة الصحة برقم 653/20/5525 في 26/10/1415هـ ، والذي تم بعد جهود مضنية قام بها بعض المخلصين من أبناء هذا البلد الذين لم يروا ما يدعو لبقاء تلك الأدوية تحت الرقابة الدوائية ، إضافة إلى الأثر الاجتماعي السلبي لبقاء الحال كما كان عليه . ولقد استثنى ذلك القرار بعض أدوية القلق ومجموعة قليلة أخرى نظراً لاحتمال استخدام بعض الناس لها بطريقة غير صحية .

ولعل بعض الناس يتخوف من الأدوية النفسية ، لأن المريض النفسي قد يقـدم على

الانتحار في أية لحظة مستخدماً جرعات كبيرة من تلك العقاقير ( الخطيرة في ظن أولئك

البعض) ، ولذلك فإنه يجب حظرها في نظره . لكنه يجب أنْ نتذكر بأن تعاطي 20 حبة

بندول دفعة واحدة كاف لحـدوث تلف في الكبد ، وأن تعاطي 30 حبة بندول يؤدي إلى

الموت في أغلب الأحيان إلا أن يشاء الله . ورغـم ذلك يحرص بعض المسؤولين مـن

غير المتخصصين على تقييد استخدام الأدوية النفسية خوفاً من استخدامها فـي الانتحار

في حين أن علب البندول تزدحـم بها أرفف الصيدليات والبقالات ، بـل ربما تجدهـا

في بعض محطات الوقود في الخطوط السريعة !! .



أما النعاس والخمول فإنه لا يحدث كأثر جانبي للأدوية النفسية فقط ، بل يحدث كذلك عند استخدام بعض الأدوية الأخرى كأدوية السعال التي يحتوي بعضها على بعض مشتقات الأفيون !! ونظراً لجهل الناس بذلك ونظرتهم السلبية للأمراض النفسية أكثر من تلك التي تحدث عند استخدام أدوية أخرى .

أنه كما توجد أمراض نفسية مزمنة تستدعي علاجاً مستديماً فإنه يوجد أيضاً أمراض عضوية تستدعي علاجاً مستديماً ، مثل السكر والضغط وغيرها كثير . وفي حين أن إيقاف مرضى السكر والضغط وغيرها من الأمراض العضوية لأدويتهم قد يؤدي إلى أضرار خطيرة قد تصل إلى الموت في بعض الأحيان ، فإن إيقاف المريض النفسي للأدوية النفسية لا يؤدي في العادة إلى مثل ذلك .

إنَّ اعتماد بعض الرقاة – وفقهم الله – على عواطفهم في نقد مثل هذا الأمر دون أنْ يكون لديهم خلفية علمية ضرره أكثر من نفعه. ولعل اجتهاد أولئك الأخوة ربما كان بسبب إخلاصهم وكذلك بسبب تقصير أهل الاختصاص في تثقيف الناس ونشر الوعي الصحي بينهم .

إن الانتكاسة التي تحدث عند الانقطاع عن العلاج ليست دليلاً على الإدمان ، بل لأن العلاج لم يأخذ مجراه بعد القضاء على العلة النفسية التي استخدم من أجلها . ولذلك لو عـاد المريض ثانية لاستخدام العلاج لشعر بالتحسن ، كما أنه لو استمر فيه ولم يوقفه إلا بمشورة الطبيب فلا تحدث له عادة تلك الانتكاسة التي تحدث عند الإيقاف المبكر للعـلاج.

نظراً لإصابة بعض الناس بالعلل النفسية فإنهم يلجأون خطأً إلى استخدام الكحول والمواد المخدرة كوسيلة للهروب من واقعهم . وفي المقابل فإن بعض مدمني المخدرات تصيبهم العلل النفسية فيصف لهم الأطباء النفسانيون بعض الأدوية النفسية مثلهم مثل غيرهم من الناس . ولذلك فإنه يخطئ من يربط الأدوية النفسية بالمخدرات لا لشيء إلا لأنها تصرف للمرضى النفسيين من متعاطي المخدرات ، أو لأنها يمكن أنْ تستخدم في علاج فترات انسحاب المواد المخدرة من الجسم .

وبعد ذلك كله يجب أنْ نتذكر عـدة أمـور :

الأول : أن الأدوية النفسية لا تؤدي إلى الإدمان مطلقاً باستثناء مجموعة صغيرة منها كبعض أدوية القلق ، وذلك فقط إذا استخدمت فترة طويلة وبدون إشراف طبي مباشر .

الثاني : أن الآثار الجانبية البسيطة التي تحدث عند استخدام بعض الأدوية النفسية لا تعادل بأي شكل من الأشكال تلك الفائدة المرجوة منها .

الثالث : أن بعض الأدوية النفسية ذات فعالية في علاج بعض الحالات غير النفسية كالصداع النصفي مثلاً . والغريب في الأمر أن المرضى يقبلون دون تردد تناول تلك الأدوية إذا صرفها غير الطبيب النفساني !!. وفي المقابل تجد بعض المرضى يحذر من تناول بعض العقاقير غير النفسية إذا تم صرفها بواسطة طبيب نفساني كعقار الإنديرال ( أحد أدوية القلب ) مثلاً الذي يستخدم علاجاً مساعداً في بعض حالات القلق والمخاوف المرضية .

الرابع : أن بعض الناس يتردد تورعاً من استخدام بعض الأدوية النفسية ، في حين أنه يقبل دون نقاش تلك الممارسات غير الشرعية – بل الشركية أحياناً – عند بعض من يتسمون بأسماء الرقاة !!.

المفهوم الثالـث :



اعتقاد بعضهم بأنه لا فائدة من الأدوية النفسية لما يلاحظونه من عدم شفاء بعض المرضى رغم استخدامهم لتلك الأدوية لفترة طويلة ، ولذلك فإن تلك الأدوية – في نظرهم – هي مجرد مسكنات ومنومات .

ولعل هذا الاعتقاد قد جاء نتيجة ما اعتاده بعض الناس من الاستجابة السريعة عند استخدام بعض الأدوية الأخرى (غير النفسية). فقد اعتاد بعض الناس عند الشعور بالصداع أنْ يتناول حبيتن من البندول ، وعند الشكوى من السعال أنْ يتناول أدوية السعال ، وربما امتد فقط لعدة أيام . وربما أن الحال يختلف عند استخدام الأدوية النفسية ، فلذلك ويجب التنبيه إلى عـدة أمور :

أن الأثر الفعال لبعض الأدوية النفسية لا يظهر إلا بعد أسبوعين إلى أربعة أسابيع من بداية استخدامها ، وربما بعد أكثر من ذلك .

أن تحسن المريض وحتى شفاءه التام ليس معناه إيقاف الدواء ، بل يجب عليه الاستمرار فيه حتى يوقفه الطبيب وذلك بطريقة تدريجية ربما تمتد لعدة أشهر . وليس معنى ذلك أن المريض قد أصبح مدمناً على ذلك الدواء ، ولكن هذه هي طبيعة الأمراض النفسية وأدويتها .

أن الأمراض النفسية كغيرها من الأمراض في التخصصات الأخرى ، فمن المرضى من يستجيب للعلاج استجابة كاملة ، ومنهم من لا يستجيب للعلاج مطلقاً ، ومنهم من يستجيب جزئياً ، لأن العلاج فعال في نسبة معينة من المرضى .

أنَّ من الأمراض النفسية ما تتحكم به الأدوية النفسية فقط دون أنْ يُشفى المريض تماماً ، كما هو الحال في بعض الأمراض العضوية المزمنة كالضغط والسكري . ولذلك فإنه إذا ما أراد المريض أنْ تبقى حالته مستقرة فيجب عليه أنْ يستمر في العلاج فترة طويلة من حياته.

ولعل تقصير الطبيب النفساني في توضيح تلك الأمور لمريضه في أول لقاء بينهما يؤدي إلى انقطاع المريض عن تناول الدواء لأتفه سبب ، خصوصاً وأن أهل المريض وذويه ليسوا في العادة أحسن حالاً من المريض فيما يتعلق بموقفهم من الأمراض النفسية وأدويتها . والطريف في الأمر أن الوقت الذي يستغرقه الطبيب النفساني في إقناع المريض وأهله بضرورة استخدام الدواء قد يفوق أحياناً الوقت الذي يستغرقه في فحص المريض وتشخيص علته ‍‍. ولقد أثبتت الأبحاث العلمية أن مستوى قناعة المريض ومن حوله بدواء معين قد تؤثر سلباً أو إيجاباً في درجة استجابة المريض لذلك الدواء .

المفهوم الـرابع :



اعتقاد بعض الناس بـأنه لا يمكن للعقاقير الدوائية المادية المحسوسة أنْ تعالج المعاناة النفسية غير المحسوسة .



ولعلي أناقش هذا الاعتقاد بسؤال أبدأ : ما الذي يمنع من ذلك ؟ فلقد أثبتت التجارب العلمية والممارسة العملية المتكررة في مختلف بلاد العالم نفع الأدوية النفسية في علاج الأمراض النفسية تماماً كنفع الأدوية الأخرى في علاج مختلف الأمراض . وقد يؤتى بالمريض وقد فقد القدرة على الحركة من شدة الاكتئاب وبإذن الله ثم بفضل تلك الأدوية النفسية يعود إلى طبيعته تدريجياً خلال فترة قصيرة .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن " . قال ابن القيم – رحمه الله - : " التلبين هو حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته ، وهي تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة ، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية " ، انتهى كلام ابن القيم .

والأدوية مثل الأغذية ، فمنها ما يذهب الحزن والغم دون أنْ يكون فيها محذور شرعي .

وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – حفظه الله - حكم استعمال الأدوية لعلاج المرض النفسي ، فأجاب :

المشروع لكل من لديه علم بشيء من الأدوية الشرعية أو المباحة التي يعتقد أن الله ينفع بها المريض أنْ يفعل ذلك سواءاً سُمى ذلك طباً نفسياً ، أو شرعياً ، أو دواءاً عادياً أو غير ذلك من الأسماء . المطلوب أنْ يتحرى الطبيب المعالج ما يراه نافعاً في علاج المرضى الذين بين يديه بما ليس فيه محذور شرعاً سواءاً كان بالقراءة أو بمأكول مباح أو بمشروب مباح أو أشياء أخرى لا محذور فيها، قد جُرب أنه تزيل ما أصاب المريض من الخلل في عقله ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أنزل الله داءاً إلا أنزل له شـفاء علمه مـن علمه وجهله من جهلـه " ولقـوله صلى الله صلى الله علـه وسـلم " عـباد الله تـداووا ولا تـداووا بحرام " .

كما أثبتت التجارب العلمية العديدة أن أكثر الأمراض النفسية يصاحبها خلل يتمثل في تغير مستوى بعض النواقل العصبية في الدماغ ، وأن هذه الأمراض تزول – بإذن الله – إذا تم إصلاح ذلك الخلل بواسطة الأدوية النفسية .

ولذلك فلقد توافق العقل والنقل مدعوماً بالتجربة العلمية والمشاهدة اليومية على إمكانية نفع بعض الأسباب المادية في علاج الأعراض النفسية .

المفهوم الخامس :



اعتقاد بعض الناس بأن الأمراض النفسية لا شفاء منها .

اعتاد الناس في مجالسهم حينما يكون بين الحضور طبيب أن يدور الحوار حول بعض الأمراض وعن الجديد الذي توصل إليه الطب ، ويتسابق الحضور بكل جرأة وبمسمع من الجميع بالاستفسار الدقيق عن ما يعانونه وذووهم من أمراض . فالأول يشكو من مرض السكر الذي أرهق أمه ، والثاني يشكو من ارتفاع ضغط الدم الذي أصاب والـده بجلطة دماغية ، والثالث ، والرابع … وفي المقابل فإن الناس لا يفعلون الشيء نفسه فيما يخص الأمراض النفسية ، وإذا تحدثوا عنها فإنما هو غالباً على سبيل الاستغراب والسخرية !! .

والعجيب في الأمر أن بعض من أصيبوا بأحد الأمراض النفسية ، أو أصابت أحداً من ذويهم ثم منّ الله عليهم بالشفاء فإنهم لا يتحدثون بذلك عند الناس تفادياً لتلك النظرة الدونية التي ربما ينظر بها بعض الناس إليهم !! بل الأعجب من ذلك أن بعضاً من أولئك ينتقد الطب النفسي بشكل مبالغ فيه ، في حين أنه كان من المفترض أنْ يحدث العكس .

ولنتذكر بأنه أهون على المريض وذويه أنْ يعترفوا بأن ما اعتراهم من علل نفسية إنما كان بسبب الجن أو السحر أو العين وليست أمراضاً نفسية . وذلك لأنهم يرون أنْ تلك الأمور الغيبية إنما حدثت بفعل فاعل قد تعدى عليهم مما يعطيهم الحق في المعاناة ، أمـا الاعتراف بالمرض لنفسي فمعناه عندهم الاعتراف بالنقص والقصور .

وتعباً لذلك فإن الناس لا يسمعون ولا يرون أي نتائج إيجابية للطب النفسي ، لأن من استفادوا من الطب النفسي يتجنبون الحديث عنه فضلاً عن أن بعضهم ربما ينتقدونه .

ولذلك فإن من يراهم الناس من المرضى النفسانيين هم فقط تلك الفئة من المرضى الذين لم يستجيبوا للعلاج النفسي ، أو أنهم يعانون من بعض الأمراض النفسية المزمنة التي تتحكم بها الأدوية دون أن تشفيها تماماً ، أو أنهم لم ينشدوا العلاج النفسي أصلاً .

ولو نظرنا إلى الأمراض غير النفسية – باستثناء الأمراض التي تعالج بالجراحة – لوجدنا أن الحال لا يختلف كثيراً عن الأمراض النفسية ، فأغلب تلك الأمراض ليس لها علاج شاف ، بل هي مهدئات ومسكنات تتحكم بالمرض دون أن تنهيه ، كأدوية السكر والضغط وأمراض القلب ، وغيرها كثير ، بل إن المريض يتدهور تدريجياً رغـم استخدامه لتلك العقاقير . فلماذا الكيل بمكيالين ، والنظر بعينين؟ فلا يتذكر بعض الناس تلك الأمراض النفسية التي كتب الله الشفاء لأهلها ، ويرددون ويكررون أن الأمراض النفسية مزمنة لا شفاء منها دون أن يفعلوا الشيء نفسه مع الأمراض الأخرى !! فيصدق فيهم قول الشاعر :

وعـين الرضا عن كل عيب كليلـة ولكـن عيـن السخط تبـدي المساويا

ولعلي أضرب هنا مثالاً واحداً فقط بأحد الأمراض النفسية ، وهو الوسواس القهري الذي يعاني منه عدد ليس بالقليل من الناس . فهذا المرض لا يعلم أكثر الناس أن بعض حالاته تستجيب للعلاج النفسي ، بل إن بعضهم لا يدري أن هناك مرضاً نفسياً اسمه الوسواس القهري !!.

ويمكن أن يكون لبعض الرقاة دور كبير في نمو هذا الاعتقاد في أذهان الناس ، لما يرددونه من أن بعض المرضى – حسب خبرتهم – قد شـفاهم الله بالرقية ولـم يشفوا في المستشفيات . ولذلك فإنه يجب أن تتذكر عـدة أمور .



أن الأمر نفسه يردده الأطباء . فهناك العديد من المرضى قد أنفقوا عدة سنوات في السفر والترحال بين الرقاة دون فائدة ، وعندما راجعوا الأطباء تحسنت أحوالهم ، بل ربما شفيت أمراضهم تماماً . وليس هذا انتقاصاً من شأن القرآن ، فإن من نزل القرآن هو الذي خلق الدواء ، ويجعل بركته حيث يشاء .

لا غرابة مطلقاً في أن يشفى المريض بالرقية ، ولا يُكتب له الشفاء بالدواء .

عدم شفاء المريض بالدواء لا يدل بالضرورة على أن ما به بسبب الجن أو العين أو السحر ، فما أكثر الأمراض النفسية والعضوية التي يجهلها البشر ، فمنّ الله على بعض من خلقه وشفاهم منها ببركة القرآن . كما أنه ليس شرطاً أن يُشفى كل من عانى من تلك العلة بالقرآن .

المفهوم السادس :

اعتقاد بعض الناس بأن الطب النفسي مجرد جلسات كلامية .

ولذلك فهم يعتقدون بعدم الحاجة إلى الطبيب النفساني فبإمكانهم أن يتكلموا مع مريضهم ويطمئنونه . بل إن بعضهم يبالغ فيقول : إننا نخاف أن " يلخبط " الطبيب النفساني أفكار مريضنا بفكره المشوش .

ولعلي أوضح هنا أن العلاج النفسي ليس مجرد حوار بين الطبيب والمريض وإنما شيء أكثر منذ ذلك ، وهو على عدة أنواع :

الأدوية النفسية التي أثبتت التجارب العلمية على مدى عدة عقود من الزمن فعاليتها بنسبة كبيرة في شفاء أو تهدئة بعض الأمراض النفسية .

الجلسات النفسية ( العلاج النفسي غير الدوائي ) ، والتي ليست مجرد حوار مـع المريض ، وإنما تتبع منهجاً وبرنامجاً خاصاً ، ولذلك فإن من يقوم بها يجب أن يكون من المتخصصين . وهذا العلاج على عدة أنواع منها :

العلاج المساند ( المساعد ) : وفيه يقوم المعالج بطمأنة المريض ، وتوجيهه ، وإرشاده ، وتوضيح مختلف الأمور له .

العلاج السلوكي : وفيه يقوم المعالج بتعديل بعض سلوكيات المريض المرضية ، واستبدالها بسلوكيات مناسبة .

العلاج المعرفي : وفيه يقوم المعالج بتقويم وتصحيح أساليب التفكير الخاطئة لدى المريض التي ينظر بها إلى نفسه ومستقبله والناس من حوله ، ومحاولة استبدالها بأساليب صحيحة .

العلاج بالرجفة المحدثة كهربياً : وهي عبارة عن إمرار تيار كهربي منخفض عبر رأس المريض يؤدي إلى حدوث رجفة بسيطة في مختلف أعضاء جسم المريض دون أن يشعر بذلك ، لأنه يكون عادة تحت تأثير البنج . ولهذا النوع من العلاج فعالية كبيرة في علاج عدد من الأمراض النفسية ، خصوصاً الاكتئاب الشديدة .

الجراحة النفسية : والتي يقتصر استخدامها على بعض الحالات النفسية الشديدة التي استعصت على العلاج .

ولعل هذا الاعتقاد عند بعض الناس – وهم قلة – بأن الطب النفسي مجرد جلسات كلامية قد جاء نتيجة عدم إدراكهم لطبيعة بعض الأمراض النفسية المزمنة التي تبدأ تدريجياً ، ويميل المريض معها إلى العزلة ، وربما تبدو عليه بعض مظاهر التدين فلا يحلق لحيته مثلاً – رغم أن حلقها كان عادة له – ولم يكن ذلك تديناً منه وإنما نتيجة إهمالهلمظهره بشكل عام جراء تدهور حالته النفسية . وربما يبدأ المريض أيضاً بالشعور بأفكار غربية ( مرضية ) يظن من يحاوره من البسطاء أنها علامة رجوع إلى الله . ثم تظهر بعد ذلك مظاهر القلق فيذهب إلى الراقي فلا يسـتفيد منه . وحينما يزداد القلق أكثر يحضره أهله مضطرين إلى الطبيب النفساني ، والتي تكون الحالة حينها في أوجها ، فيصف له العلاج فلا يظهر على المريض التحسن الكافي لسبب أو لآخر ، وكأني بأهله كانوا ينتظرون ذلك ليعللوا ما أصاب ابنهم أنه كان بسبب الطبيب النفساني حيث يقولون : إن ابننا كان بخير وعافية تماماً !! اللهم إلا إنه كان يعاني من شيء بسيط من القلق ، لكننا بمجرد زيارتنا للطبيب النفساني تدهور بشكل مفاجئ . وما كان قولهم ذلك في الحقيقة إلا هروباً من وصمة المرض النفسي وتعليلاً منهم بأنه حدث بفعل غيرهم لا نقصاً فيهم ، كما يظنون .

المفهوم السابع :

اعتماد بعض الناس في نظرتهم للطب النفسي على ما تقدمه وسائل الإعلام ، والتي يمكن توضيح شيء من دورها السلبي من خلال ما يلي :

إظهار الطبيب النفساني بشكل مشوه ، فهو ذلك الشخص غريب الأطوار ، ذو المشية الغريبة والنظرات الزائغة والملابس غير المتناسقة. كما أنهم يقومون بفلفلة شعره ونفشه ، وجعله يرتدي نظارات سميكة تتدلى على أرنبة أنفه ، مما يزيد في غرابة مظهره .

يبدو الممرض النفسي في تلك الوسائل الإعلامية ضخم الجسم ، عابس النظرات ، عنيفاً في حديثه وأسلوب تعامله . بل إن طريقة التصوير الفني لهيئة أولئك الممرضين تحرص على أن تثير الرعب منهم في نفس المشاهد .

إظهار العلاج بالرجفة المحدثة كهربياً على أنه نوع من العقاب ، فإذا شاغب مريض حمله مجموعة من الممرضين الذين أسلفنا ذكرهم – تصحبهم موسيقى تصويرية مرعبة – إلى غرفة العلاج بالرجفة المحدثة كهربياً ( والتي تبدو حينها كالمقصلة في حس المشاهد ) ، ثم – بكل غضب – يصعقونه بتيار كهربي يصرخ معه صرخة تجعل المشاهد يرفض معها شيئاً اسمه الطب النفسي ، ويستغرب أيضاً من ذوي أولئك المرضى : كيف تطيق قلوبهم بأن ينشدوا علاج ذويهم في المستشفيات النفسية ؟!! .

وبوصفي متخصصاً في الطب النفسي أقول باختصار : إن العلاج بالرجفة المحدثة كهربياً هو من نعم الله التي هدى ابن آدم إليها وقد انتفع به جداً عدد كبير من المرضى . فهـو علاج فعال ، وليست له آثار جانبية تذكر ، ولا يكاد المريض يشعر بأي ألم عند استخدامه .

تركيز تلك الوسائل الإعلامية في عرض المرضى النفسيين ذوي الحالات المزمنة غير القابلة للشفاء ، مما يثير رعب واشمئزاز المشاهد . وفي المقابل فإنهم نادراً ما يعرضون حالات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وغيرها من الاضطرابات النفسية التي تصيب الناس بكثرة وينشدون لها العلاج ، وتحدث بنسبة لا تكاد تقارن بنسبة حدوث الأمراض التي ذكرناه ابتداءاً . ولعل السبب في ذلك – إضافة إلى انعدام الوعي – أن البعد الكوميدي أكثر أهمية من البعد الاجتماعي عند بعض المنتجين .

المفهوم الثامـن :

اعتقاد بعض الناس بأن الأمراض النفسية أعراضها نفسية بحتة ، ولا يمكن أن تظهر بأعراض عضوية .

وهـذا اعتقاد خاطئ بلا شك ، فالأمراض النفسية يمكن أن تظهر بإحـدى ثلاث صور :

مجموعة من الأعراض النفسية دون أن يصاحبها أية أعراض عضوية .

مجموعة من الأعراض العضوية كالغثيان والقيء وألم الظهر والأطراف ، دون أن يكون هناك أعراض نفسية واضحة مصاحبة ، مما يجعل المريض وذويه يعتقدون بأن المرض عضوي لا نفسي .

ولقد زارت العيادة النفسية امرأة متزوجه تبلغ من العمر ثلاثين عاماُ تشكو فقط بأنها تتقيأ أي شيء تأكله تقريباُ ، دون أن يكون عندها أية أعراض نفسية واضحة . ولقد تم التدخل الجراحي في حالتها عدة مرات ، ونومت في العديد من المستشفيات دون فائدة تذكر . وفي النهاية – كما هي العادة – تم تحويل هذه المريضة إلى العيادة النفسية ، وبفضل الله بعد عدة جلسات من العلاج النفسي – دون الحاجة لاستخدام العقاقير – انقطع القيء عنها ، فلم يكن عند تلك السيدة سوى بعض المعاناة والمشاعر النفسية التي لم تستطع أن تعبر عنها بشكل نفسي فعبرت عنها بشكل عضوي .

وكذلك الاكتئاب عند كبار السن في المجتمعات الشرقية – بشكل خاص – فإنه يظهر في أحيان كثيرة بأعراض عضوية . وما تلك النوبات المتكررة من آلام البطن وأوجاع الظهر التي تصيب بعض العجائز – في بعض أحيانها – إلا نوبات متكررة من الاكتئاب ، ولكن العامة يصفونها بأنها أعراض الروماتيزم !! . وكذلك الحال عند بعض الرجال المسنين الذين فقدوا – مع تقدم العمر بهم – دور الآمر الناهي بسبب زواج الأولاد واستقلالهم بآرائهم ، فلم يعد لأولئك المسنين دور مهـم ، وبدأ يتسرب إلى أنفسهم الشعور بأنهم أصبحوا على هامش الحياة . ولذلك فإنهم ما بين الفينة والأخرى يشكون من بعض الأوجاع ، أو يبالغون في الشكوى من بعض ما يعانونه من أمراض سابقة بطريقة لا شعورية ، كل ذلك من أجل جلب اهتمام من حولهم والشعور بأنهم ما زالوا محط احترام وتقدير الآخرين .

وقد يحدث العكس فتظهر الأمراض العضوية بأعراض نفسية ، كما هو الحال في اضطرابات الغدة الدرقية والحمى المالطية وغيرها .

أما في الصورة الثالثة فقد تظهر الأمراض النفسية بمجموعة من الأعراض النفسية والعضوية في آن واحد ، وهو ما يحدث في أغلب الأحول ، كشكوى مريض القلق مثلاً من خفقان القلب والتعرق والرجفة في بعض أنحاء الجسم ( كأعراض عضوية ) ، إضافة إلى الخوف والتوجس وعدم الشعور بالاستقرار والطمأنينة ( كأعراض نفسية ) .

المفهوم التاسع :



ارتباط الأمراض النفسية بالجنون والتخلف العقلي في حس كثير من الناس .

ويؤدي هذا الأمر إلى التردد عند زيارة الطبيب النفسي ، والخجل من ذلك ، بل ربما الامتناع عن الإقدام عليه أصلاً ، رغم الحاجة الشديدة إلى ذلك .

ولذلك فإنك ترى بعض المرضى يجلس متلثماً في صالة الانتظار ، والبعض الآخر يتأخر في الحضور إلى العيادة حتى يتأكد من أن أكبر عدد من المراجعين قد انصرف . بل قد تجد بعض المرضى أحياناً يحاول جاهداً مع طبيبه أن يكون لقاؤهما خارج العيادة !! .

ومن مضار هذا الاعتقاد الخاطئ أن يتأخر الناس في إحضار مريضهم حتى يستفحل فيه المرض جداً ، مما ربما يجعل من الصعب علاجه ، كما أنه سيحتاج لفترة أطول من العلاج .

ولعل الأمر الأشد غرابة هو تناقض بعضهم ، فتجده يطلق النكات ويسخر من الطب النفسي لكن ما إن تصب أحد ذويه علة نفسية حتى يهرع إلى أقرب طبيب نفساني باحثاً عن العلاج .

ولذلك يجب أن نتذكر – ما مر بنا سلفاً – بأن معنى المرض النفسي معنى واسع يمتد في أبسط أشكاله من اضطراب التوافق البسيط – الذي لا يحتاج إلى علاج في بعض الأحيان سوى مجرد طمأنة المريض – إلى أشد أشكاله متمثلاً في فصام الشخصية شديد الاضطراب .

ولعل عزل المرضى النفسيين في مستشفيات خاصة يعزز هذه النظرة الخاطئة وغيرها من النظرات السلبية تجاه الطب النفسي . ولذلك فكم نتمنى أن تعود الأقسام النفسية إلى المستشفيات العامة كغيرها من التخصصات – كما هو الأمر في أكثر بلاد العالم المتقدمة علمياً – وأن تلغى المستشفيات النفسية ، أو أن يقتصر دورها على علاج حالات محددة .

المفهوم العاشـر :

اعتقاد بعض الناس بأن منشأ مرض الوسواس القهري من الشيطان فقط وأن لا علاقة للطب النفسي به من قريب أو بعيد.

يرى الكثير من الأطباء النفسانيين أنه لا علاقة للشيطان بمرض الوسواس القهري ، في حين يرى الكثير من طلبة العلم الشرعي أن الشيطان هو مصدر جميع أنواع الوسواس .

ولعله لتوضيح مصدر اللبس في شأن مرض الوسواس القهري أن نصنف الوساوس بشكل عام إلى ثلاثة أنواع :

النوع الأول : تلك الوساوس التي تدعـو الإنسان عادة أن ينظر أو يستمع أو يفعل أمراً محرماً . ويعد هذا النوع من الوساوس من طبيعة النفس البشرية ( أي ليس مرضاً ) ، ويعتري كل أحد من بني آدم. وتختلف هذه الوساوس عن غيرها من الوساوس – كما سنرى لاحقاً – بأنها تدعو الإنسان إلى محبوبات النفس المحرمة شرعاً. كما أنه إذا لبى الإنسان بشيء من جوارحه نداء هذا النوع من الوساوس فإنه قد عرض نفسه للحساب والجزاء من رب العالمين ، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " عُفي عن أمتي ما حدّثت به نفوسها ما لم تتكلم به أو تعمل به. وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يقول للحفظة إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها …" .

ويُعد مصدر هذا النوع من الوساوس عادة أحد ثلاثة أمور :

النفس : وهي النفس الأمارة بالسوء . قال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) .

شياطين الجن : ودليل ذلك قوله تعالى : ( من شر الوسواس الخناس ) . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره لسورة الناس : وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس وملكهم وإلههم من الشيطان الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها الذي من فتنته وشره أنه يوسوس في صدور الناس فيحسن لهم الشر ، ويريهم إياه في صورة غير صورته . وهو دائماً بهذه الحال يوسوس ثم يخنس ، أي يتأخر عن الوسوسة إذا ذكر العبد ربه واستعان به على دفعه .

شياطين الإنس : ودليل ذلك قوله تعالى : ( من الجنة والناس ) . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره : والوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس ولهذا قال : ( من الجنة والناس ).

النوع الثانـي : تلك الوساوس العابرة ( غير المرضية ) التي تعرض للإنسان في صلاته وطهارته وعبادته ومعتقداته ، وكذلك في شؤون حياته الدنيوية . وهذا النوع من الوساوس يلهي العبد عن عبادته فينسى كم ركعة صلى ؟ أو هل غسل ذلك العضو من جسمه ؟ وغير ذلك من الوساوس في أمور الدين والدنيا . دليله ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن أبي العاص – رضى الله عنه – قال : قلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي لُبِّسها علي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذاك شيطان يقال له خِنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثاً " ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني .

وكما يعتري هذا النوع من الوساوس الإنسان في أمور دينه فإنه يصيبه أيضاً في أمور دنياه لأن الشيطان عدو للمسلم في شأنه كله .

وقد يزول هذا النوع من الوساوس عند الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، كما قد تخف شدته أحياناً بالتركيز أكثر في ذا العبادة . ولذلك فإن الإنسان يؤجر من صلاته ما عقل منها لأن بيده مقاومة هذا النوع من الوساوس مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم.

ويختلف هذا النوع من الوساوس عن النوع الأول في أنه قد يزول بإذن الله عند الاستعاذة من الشيطان الرجيم ، في حين أن النوع الأول قد لا يزول عند الاستعاذة لأن مصدره ليس مقصوراً على الشيطان الرجيم وإنما النفس وكذلك شياطين الإنس .

ومما يدعـم إمكانية زوال هذا النوع من الوساوس بالتركيز في ذات العبادة ما ذكره أبو حامد الغزالي – رحمه الله – " ولا يمحو وسوسة الشيطان من القلب إلا ذكر ما سوى ما يوسوس به لأنه إذا خطر في القلب ذكر شيء انعدم منه ما كان فيه من قبل ، ولكن كل شيء سوى الله تعالى وسوى ما يتعلق به فيجوز أيضاً أن يكون مجالاً للشيطان ، وذكر الله هو الذي يؤمن جانبه ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال " .

النوع الثالـث : الوساوس القهرية المرضية ( مرض الوسواس القهري ) ، وهي علة مرضية تصيب بعض الناس كما تصيبهم أية أمراض أخرى . وهي أفكار أو حركات أو خواطر أو نزعات متكررة ذات طابع بغيض يرفضها الفرد عادة ويسعى في مقاومتها ، كما يدرك أيضاً بأنها خاطئة ولا معنى لها ، لكن هناك ما يدفعه إليها دفعاً ويفشل في أغلب الأحيان في مقاومتها .

وتختلف شدة هذه الوساوس حتى إنها لتبدو – لغير المتخصصين – عند زيادة شدتها وكأن المريض مقتنع بها تماماً .

ويعتري هذا النوع من الوساوس الإنسان أيضاً في عباداته وكذلك في شؤون حياته الدنيوية .

مثال ذلك ( في العبادات ) : تكرار المصلي لتكبيرة الإحرام أو قراءة الفاتحة عدة مرات أو تكرار غسل عضو من الأعضاء أثناء الوضوء أو تكرار الوضوء كاملاً أو إعادة التطهر من النجاسة عدة مرات رغم إدراكه أنه مخطئ في فعله ذلك ، لكن هناك م يدفعه جبراً عنه إلى إعادة ذلك الفعل مرات عديدة احتياطاً منه أنه ربما قد نسي أنه لم يفعل ذلك .

مثال آخر ( في غير العبادات ) : تكرار غسل اليدين مرات كثيرة بعد لمس جسم ما رغم عدم وجود حاجة لغسل اليدين أو كان يكفيه غسلهما مرة واحدة لكن هناك ما يدفعه لذلك الفعل بسبب الأفكار التي تهيمن على عقله أنه ربما تجرثمت يداه بسبب ذلك الفعل ، ولذلك فإنه يعيد غسلهما عدة مرات ، ويصبح ذلك ديدناً له .

مثال ثالث : تكرار فكرة أو هاجس ما ، مثل إحساس أحدهم بأن زوجته تعد طالقاً منه إذا باع تلك البضاعة من متجره . ورغم إدراكه بأن ذلك غير صحيح ، إلا أن تكرار تلك الفكرة وعدم قدرته على دفعها يثير القلق في نفسه .

مثال رابع : تكرار الفرد في خاطره لكلمات يسب فيها الدين أو الخالق – تعالي الله عن ذلك – دون أن يكون له قدرة على دفعها . ويختلف الموسوس في ذلك عن الضال أو المنحرف فكرياً في أن الموسوس يحترق ويتألم من شدة المعاناة ويشتكي حاله إلى العلماء ،

كما ربما أخفـاها أحياناً خجلاً منها أو كي لا يكفره الآخرون نظراً لعدم إدراكهم لحقيقة معاناته . أما المنحرف فكرياً فإنه ينافح ويناضل من أجل إثبات فكرته للآخرين ولا تقلقه بل تتوافق مع أفكاره الأخرى وميولاته .

والذي يبدو أنه إن كان للشيطان دور في هذا النوع من الوساوس فيتركز في أمرين أساسين :

ربما كان للشيطان دور في الوسوسة لذلك الفرد في بداية مرضه ، فإن صادفت تلك الوسوسة نفساً ذات قابلية للإصابة بمرض الوسواس القهري حدث المرض ، وإلا انتهت تلك الوسوسة بنفس الطريقة التي ذكرناها في النوع الثاني .

فيما يتعلق بالوساوس في العبادات فربما يكون للشيطان دور أيضاً في إقناع مريض الوسواس القهري بتقصيره في حق الله حتى يزيد من قلق المريض . كما ربما يوهمه الشيطان أن معاناته بسبب ضعف إيمانه مما أدى إلى تغلب الشيطان عليه ، وليس ذلك بسبب علة مرضية أصابته .

والعجيب في الأمر أن بعض الصالحين اجتهاداً منهم وعن حسن نية قد ينصرون الشيطان على أخيهم الموسوس لأنهم يعاتبونه على وسواسه ( النوع الثالث ) وكيف سمح للشيطان أن يتغلب عليه فيزيدون من معاناته وهم لا يشعرون ، وذلك لأن زيادة قلق الموسوس تزيد من وسواسه والذي يؤدي ثانية إلى زيادة القلق ، فيظل الموسوس يطوف في دائرة مغلقة من القلق والوساوس حتى تنهكه الهموم .

ومما يرجح الصفة المرضية لهذا النوع من الوساوس (النوع الثالث ) حدوثه في غير أمور العبادات بشكل كبير ، رغم أننا ندرك أن الشيطان عدو للإنسان في شؤون دينه ودنياه . إضافة إلى ذلك فإن إصابة بعض من لم يعهد عنهم زيادة في تدين أو صلاح ببعض الوساوس القهرية في أمور العبادات ما يدعم الصفة المرضية لهذا المرض . كما إن انتقال هذا النوع من الوساوس ( النوع الثالث ) عن طريق الوراثة في بعض الأحيان ، أو بسبب أسلوب تربية الوالدين أو أحدهما في أحيان أخرى وكذلك انتشار ذات المرض عند أقارب المريض ما يدعم بشكل جلي وجود اضطراب مرضي عند تلك الفئة من الناس .

ويختلف هذا النوع من الوساوس عن النوع الأول في أنه لا يدعو الإنسان إلى محبوبات النفس بل يجبر النفس على فعل أشياء تعرف في قرارها بأنها خاطئة وذات طابع بغيض وغير مرغوب فيها وبلا معنى لكن النفس لا تستطيع مقاومتها في أغلب الأحيان . كما يختلف أيضاً عن النوع الثاني في أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لا تكفي في العادة لعلاجه .

ولعل إصابة المسلم بمرض الوسواس القهري يعد ابتلاءاً من الله سبحانه وتعالى – كما يبتلي بغيره مـن الأمراض ، ويندرج مثل غيره من الأمراض تحت قوله صلى الله عليه وسلم : " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب و هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه " .

ولقد كتب عدد من العلماء في الوسواس مثل الإمام الجويني في كتابه (التبصرة في الوسوسة ) والإمام النـووي في ( المجموع شرح المهـذب ) وأبو حامـد الغزالي في كتابه ( إحياء علوم الدين ) والإمام ابن الجوزي في كتابه ( تلبيس إبليس ) وكذلك الإمام ابن القيم في كتابه ( إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ) .

كما اختلف العلماء في نظرتهم للوسواس ، فقد ذكر الجويني في التبصرة فـي الوسوسة ) أن الوسواس يحدث بسبب نقص في غريزة العقل أو جهل بمسالك الشريعة .

والذي يبدو أن معنى الوسواس عند معظم العلماء السابقين – رحمهم الله – معنى واسع يشمل جميع أنواع الوسواس التي ذكرناها ابتداءاً لكنهم نسبوها جميعاً إلى الشيطان ولم يقبل أحد منهم – حسب بحثي – أن هناك وسواساً مرضياً سوى ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل " أن رجلاً قال له : أنغمس في الماء مراراً كثيرة وأشك : هل صح لي الغسل أم لا ، فما ترى في ذلك ؟ فقال له الشيخ أذهب ، فقـد سقطت عنك الصلاة . قال : وكيف ؟ قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رُفـع القلم عن ثلاثة المجنون حتى يفيق ، والنائم حتى يستيقظ والصبي حتى يبلغ " ومن ينغمس في الماء مراراً ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون " .

ولا أدري حقيقة هل أراد أبو الوفاء بن عقيل – رحمه الله – تأديب السائل وزجره بجوابه ذلك أم أنه يرى حقيقة أنه مريض . وإذا قبلنا الثانية فإنه يبدو أن معظم هؤلاء العلماء لم يكونوا يتعاملون مع الحالات الشديدة من الوسواس على أنها حالات وسواس مرضي خارج عن إرادة الفرج ، وإنما على أنها لون من الجنون أو نقص في غريزة العقل كما مر بنا .

وقد نقل الغزالي – رحمه الله – في إحياء علوم الدين بعض اختلاف العلماء في حال الوسواس عند الذكر حيث قال :

" اعلم أن العلماء المراقبين للقلوب الناظرين في صفاتها وعجائبها اختلفوا في هذه المسألة على خمس فرق:

فقالت فرقة : الوسوسة تنقطع بذكر الله عز وجل لأنه عليه السلام قال : " فإذا ذكر الله خنس " ، والخنس هو السكوت فكأنه يسكت .

وقالت فرقة : لا ينعدم أصله ولكن يجري في القلب ولا يكون له أثر لأن القلب إذا صار مستوعباً بالذكر كان محجوباً عن التأثر بالوسوسة كالمشغول بهمه فإنه يتكلم ولا يفهم ، وإن كان الصوت يمر على سمعه .

وقالت فرقة : لا تسقط الوسوسة ولا أثرها أيضاً ولكن تسقط غلبتها للقلب ، فكأنه يوسوس عن بعد وعلى ضعف .

وقالت فرقة : ينعدم عند الذكر في لحظة وينعدم في لحظة ، ويتعاقبان في أزمنة متقاربة يظن لتقاربهما أنهما متساوقة ، وهي كالكرة التي عليها نقط متفرقة فإنك إذا أدرتها بسرعة تواصلها بالحركة ، واستدل هؤلاء بأن الخنس قد ورد ونحن نشاهد الوسوسة مع الذكر ولا وجه له إلا هذا .

وقالت فرقة : الوسوسة والذكر يتساوقان في الدوام على القلب تساوقاً لا ينقطع ، وكما أن الإنسان قد يرى بعينيه شيئين في حالة واحدة فكذلك القلب قد يكون مجرى لشيئين ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد إلا وله أربعة أعين : عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه ، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه " وعلى هذا ذهب المحاسبي .

والصحيح عندنا أن كل هذه المذاهب صحيحة ولكن كلها قاصرة عن الإحاطة بأصناف الوسواس ، وإنما نظر كل واحد منهم إلى صنف واحد من الوسواس فأخبر عنه " انتهى كلام الغزالي .

ولعله مما سبق يتبين لنا اختلاف معظم المسلمين السابقين في وصف الدور الحقيقي للشيطان في الوسوسة وكذلك حيرة بعضهم في التعامل مع بعض أنواع الوسواس كما حدث للإمام أبي الوفاء بن عقيل – رحمه الله - . ولذلك فلعله من المطلوبة أن نركز في البحث الشرعي وأن نسخر ما توصل إليه العلم الحديث حول هذه المسألة .

وباستقراء جملة الأحاديث النبوية الواردة في شأن الوسواس يمكننا أن نصنفها إلى ما يلي :

تلك الأحاديث التي تنتهي بنسبة الوسواس إلى الشيطان :

عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لأحـدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أتكلم به ، فقال : النبي صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ".

تلك الأحاديث التي تقدم علاجاً عملياً إضافة إلى الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم :

حديث عثمان بن أبي العاص الذي سبق ذكره في النوع الثاني من أنواع الوساوس .

عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا ، من خلق كذا ، حتى يقول من خلق ربك . فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته " .

عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله ، فإذا جاءه شيء من ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم وليقل آمنت بالله " .

تلك الأحاديث التي تقدم علاجاً عملياً وليس الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم رغم نسبة الوسواس إلى الشيطان في بعضها :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه : أخرج منه شيء أم لا ؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " .

عن عبد الله بن زيد – رضى الله عنه – قال : شُكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة ، قال " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً "

عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" " الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة فيأخذ بشعرة من دبره فيمدها فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " .

وفي لفظ أبي داود " إذا أتى الشيطان أحدكم فقال له : إنك قد أحدثت ، فليقل له : كذبت إلا ما وجد ريحاً بأنفه أو سمع صوتاً بأذنه " .

تلك الأحاديث التي تقدم علاجاً وقائياً للوسواس قبل حدوثه :

عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن للوضوء شيطاناً يقال له ولهان ، فاتقوا وسواس الماء " .

عن عبد الله بن مغفل قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل في مستحمه فإن عامة الوسواس منه " .

تلك الأحاديث التي تخبر عن وقوع التعدي في الوضوء لكنها لم توضح طبيعة هذا التعدي هل هو وسواس أم تشدد وهو إلى التشدد أقرب وسنفصل في الفرق بينهما لاحقاً .

عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء " .

وباستقراء جميع هذه الأحاديث يمكننا أن نستنتج ما يلي :

لو كانت الاستعاذة وحدها كافية لجميع أنواع الوساوس دون فعل أسباب أخرى لأرشد إليها الرسول صلى الله عليه وسلم – وهو الرحيم بأمته – في جميع الأحاديث لأنها أهون بكثير من مقاومة الوساوس التي دعا إلى نهجها في المجموعة الثانية من أحاديث الوسواس .

وجه النبي صلى الله عليه وسلم في المجموعة الثالثة من الأحاديث إلى وسائل علمية للعلاج وهي منع الاستجابة ، والتي تعتبر أحد التقنيات المستخدمة طبياً في علاج الوسواس القهري .

جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المجموعة الثانية من الأحاديث بين الاستعاذة والعلاج العملي ( مثل إيقاف الأفكار وفنيات صرف الانتباه ) ، في حين اقتصر في المجموعة الثالثة على العلاج العملي ، مما يدل على أنه ربما كان غير الشيطان مصدراً للوسواس القهري في بعض الأحيان على الأقل ، رغم إدراكي لفائدة العلاج العملي في علاج وساوس الشيطان سواءاً كان مقروناً بالاستعاذة ( وهو الأفضل ) كما جاء في حديث عثمان بن أبي العاص ( فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثاً ) أو بدون الاستعاذة كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري .

مما سبق ربما نستنتج أيضاً أن أي إجراء عملي أو خطوة علاجية مباحة سواءاً بالعـقاقير أو الوسائل العلاجية النفسية مشروعة إن ثبت نفعها في علاج الوسواس القهري .

ولعل ما يلاحظه الأطباء النفسانيون من شفاء عدد ليس بالقليل من مرضى الوسواس القهري عند علاجهم بالعقاقير أو الوسائل العلاجية النفسية الأخرى أو الجراحة ما يدعم الصفة المرضية لهذا الداء . إضافة إلى ذلك فإن الأبحاث العلمية أثبتت وجود تغير في أنسجة المخ واضطراب في مستوى بعض النواقل العصبية خصوصاً مادة السيروتونين عند بعض المصابين بمرض الوسواس القهري والذي يتبدل عند التداوي بالعلاج المناسب سواءاً كان عقاراً نفسياً أو برنامجاً علاجياً سلوكياً .

ومما يدعم ذلك أيضاً إصابة بعض الكفار بهذا المرض وهم من خلت قلوبهم من التوحيد أصل الإيمان فلا حاجة للشيطان أن يصيبهم بالوسواس فيما هو دون ذلك من أمور الدنيا .

ولعل توافق اسم هذا المرض (الوسواس القهري ) لفظاً مع كلمة وسواس التي تنسب عادة إلى الشيطان جعل بعض الناس يربطون هذا المرض دائماً بالشيطان .

ومما يؤلم المصابين بداء الوسواس القهري ( النوع الثالث من الوساوس ) ما يقرؤونه في كتب بعض العلماء عن ذم الوسوسة والموسوسين لأنهم كانوا – رحمه الله – يطلقون ذلك الوصف على جميع أنواع الوسواس دون تخصيص ، فالوصف الذي يطلقونه كان وصفاً عاماً لكن يتأكد عندهم في النوع الثالث – حسب تصنيفنا – أكثر من سواه ، ولم يكونوا أيضاً – كما مر بنا – يرون أن هناك وسواساً مرضياً كما يراه الأطباء في العصر الحديث . ولذلك يتألم مريض الوسواس القهري جداً حينما يقرأ للإمام ابن القيم – رحمه الله – قوله : " فإن قال ( أي الموسوس ) : هذا مرض بليت به ، قلنا : نعم ، سببه قبولك من الشيطان ، ولم يعذر الله أحداً بذلك ، ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه أُخرجا من الجنة ، ونودي عليهما بما سمعت ، وهما أقرب إلى العذر لأنهما لم يتقدم قبلهما من يعتبران به وأنت قد سمعت وحذرك الله من فتنته وبين لك عدواته وأوضح لك الطريق فما لك عذر ولا حجة في ترك السنة والقبول من الشيطان " .

ولعلك تلاحظ أخي القارئ أن الإمام ابن القيم – رحمه الله – قد جمع في مقولته بين النوع الأول وهو ما حدث لأبينا آدم وأمنا حواء ، وبين النوع الثالث وهو حال مرضى الوسواس القهري ، وناقش النوعين على أنهما نوع واحد إن صح ابتداءاً تصنيفنا للوسواس إلى تلك الأنواع الثلاثة .

ومما يؤلم الموسوسين أيضاً اجتهاد بعض طلبة العلم بالاستشهاد بالأحاديث التي تنهي عن التنطع والغلو في الدين في حق الموسوسين مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فتشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار : رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " . ولو وقفنا مع كلمة واحدة من هذا الحديث ( لا تشددوا ) لربما بان لنا الفرق بين التشدد والوسواس القهري . فالتشدد هو الغلو والتنطع في الدين النابع من ذات الفرد وبإرادته وتقرباً منه إلى الله ، بل ويستنقص غيره ممن لا يفعلون فعله مثلما كان من أولئك النفر الثلاثة الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم أنه يصوم ولا يفطر وقال الآخر أنه يصلي ولا ينام وقال الثالث بأنه لا يتزوج النساء فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

أما الموسوس فأمره مختلف تماماً ، فهو يشكو لكل أحد من وسوسته ، ويتألم منها ، ويستفتي العلماء في حاله ، ويتردد على الأطباء ، ويدعو الله أن يخلصه منها ، ويقاومها فيفرح أشد الفرح إذا تغلب على الوسواس ويحزن أشد الحزن إذا غلبه الوسواس .

وقد سئل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – حفظه الله – السؤال الثالث : إذا ترك رجل متزوج الصلاة لمدة تقارب عشرة أشهر فما الذي يجب عليه ، وهل يقضي تلك الصلوات علماً بأنه تركها بسبب الوسواس ، وهل يؤثر على صحة زواجه ؟ فأجاب – حفظه الله - : لا يؤثر هذا على صحة نكاحه لأنه عندما تزوج لم يكن تاركاً للصلاة إنما طرأ عليه ترك الصلاة بعد العقد . ثم إن ظاهر سؤاله أن تركه للصلاة ليس باختيار منه لكنه عن مرض نرجو أن يكون النكاح باقياً … وخلاصة الجواب أنه لا يلزمه قضاء الماضي من الصلوات وأنه لا يلزمه إعادة عقد نكاحه " . والشاهد في هذه الفتوى قوله حفظه الله ( ليس باختيار منه لكنه عن مرض ) .

كما سئل – حفظه الله - : هل يعذر الإنسان بالتصرفات المحرمة بسبب الوسواس ؟ فأجاب : إذا كانت ليست تحت طاقته فيعذر لقول الله تعالى : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) ، وأما إذا كان في طاقته ويمكن أن يتخلص منه بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الاستعاذة والإعراض فلا يعذر .

وعلى الرغم من كل ما أسلفناه من الدلائل التي تدعم عدم علاقة الشيطان بالوسواس القهري فإننا لا يمكن أن نقطع بذلك – رغم غلبة الظن – وذلك لأننا نبحث في أمور غيبية نؤمن بمجمل تأثيرها لكن لم يُنقل لنا طبيعة وخصوصية ذلك التأثير .

وإن قلب الطبيب النفساني المسلم ليتألم حينما يرى بعضاُ من بني أمته يصارع مرض الوسواس القهري لسنوات عديدة ويرفض زيارة الطبيب النفساني إما لقناعته بعدم فائدة العلاج النفسي في علاج علته ، أو بسبب النظرة الاجتماعية السلبية تجاه الطب النفسي .

وفي الوقت نفسه فإن قلب الطبيب ليبتهج حينما ينجح في إقناع مريض الوسواس القهري بالعلاج ، وتغمره الفرحة حينما يعود إليه المريض بعد عدة أسابيع وهو في أحسن حال .

وإن أنس لا أنس مقولة تلك السيدة المسنة التي قالت بعد أن شفاها الله من الوسواس القهري بعد تناول العلاج " إنني لم أذق طعم الراحة منذ عشرين سنة إلا اليوم " .

المفهوم الحادي عشر :

اعتقاد بعض الناس بأن الطبيب النفساني لا يؤمن بأثر القرآن ودوره في العلاج ، وأنه منكر لأثر الجن والسحر والعين .

ويستنتج بعض بسطاء التفكير من هذا الاعتقاد أن الطبيب النفساني هو من اتباع فرويد والكفار وأن الرقاة هم أنصار الله والقرآن !!

وقبل أن نناقش هذا الاعتقاد يجب أن نتذكر أن الإيمان بالجن والسحر والعين يمكن أن ننظر إليه على ثلاثة مستويات :

الإيمان بوجود الجن وحقيقة السحر والعين .

الإيمان بتأثير الجـن والسحر والعين .

الإيمان بالأعراض التي يصفها بعض الرقاة والمعالجين لأثر الجن والسحر والعين .

فالأول والثاني يجب الإيمان بهما دون شك أو نظر ، ومن أنكرهما فهو منكر لصريح الكتاب والسنة .وأما الثالث فلم يرد في الكتاب ولا في السنة وصف تفصيلي لأعراض معينة لكل من أثر الجان والسحر والعين بمثل ما يتناقله الناس ، وإنما هي اجتهادات من بعض الخلف بشك خاص .

ولعلنا هنا نقف مع ذلك الاعتقاد الخاطئ عدة وقفات :

أن الأطباء النفسانيين المسلمين يختلفون بشكل كبير في إيمانهم بتلك الغيبيات عن غير المسلمين .

أن بعض الأطباء النفسانيين غير المسلمين يؤمن بتلك الأمور الغيبية ، فما بالك بالأطباء النفسانيين المسلمين .

أن نقاش أحد الأطباء النفسانيين للمستوى الثالث ( ماهية الأعراض ) لا يعني إنكاره للمستويين الأول والثاني ( وجود وتأثير تلك الأمور الغيبية ) . ولذلك إنه إذا ما حاور طبيب نفساني بعض الرقاة حول المستوى الثالث فإن أول سؤال يواجهونه به هو : هل تنكر وجود الجن والسحر والعين وتأثيرها ( المستوى الأول والثاني ) ؟؟!!. ولذلك يضطر ذلك الطبيب إلى توضيح تلك المستويات الثلاثة ، وأنه مؤمن بتلك الأمور الغيبية وتأثيرها ، ولكنه يسأل عن دليل شرعي أو علمي يربط تلك الأعراض التي يعاني منها مريض ما بأنها حدثت بسبب أحد تلك الأمور الغيبية . ورغم عدم وجود دليل واضح يربط تلك الأغراض بسببها الغيبي الذي يفترضه بعض الرقاة فإن العقلاء من الأطباء النفسانيين لا ينكرون احتمالية ذلك ، كما أنهم يتوقفون عن قبوله في آن واحد .

ولقد أدى هذا الاعتقاد عند بعض الرقاة إلى التأثير على النظرة الاجتـماعية العـامة

للطب النفسي ، لما لهم من تأثير فعال ، خصوصاً على بسطاء وعامة الناس ، وهم العدد

الأكبر في الشعوب عامة .

إن وجود طبيب نفساني واحد أو أكثر ينكر تأثير تلك الأمور الغيبية ، بل ربما ينكر وجودها أصلا، فإن ذلك لا يعني أن كل الأطباء النفسانيين كذلك . فالأطباء النفسانيون مثلهم مثل غيرهم من الناس ، حيث إن هناك بعضاً من الناس – من غير الأطباء – ينكرون تلك الأمور الغيبية جملة وتفصيلاً . ولست هنا أعلل لأولئك الأطباء فهـم مخطئون ولا شك ، وإنما أرفض وصم جميع الأطباء النفسانيين بإنكار تأثير الجن والسحر والعـين.

المفهوم الثاني عشر :

اعتقاد بعض الناس بأن الطب النفسي وكذلك علم النفس موروثان غربيان ولا يمتان إلى الإسلام بصلة .

وينتج عن ذلك : الاعتقاد بأن الطبيب النفساني إنما هو تابع لفرويد يطبق نظرياته دون فكر أو نظر ، وأن الطبيب النفساني لا يؤمن بالجوانب الروحية والدينية في العلاج !! .

ولعلنا نناقش هذا الأمر من خلال هـذه الوقفات :



أن الطبيب النفساني المسلم هو فرد من أفراد مجتمعه يدين ما يدينون به ويعتقد ما يعتقدونه ، وما دراسته وممارسته للطب النفسي إلا محاولة منه في الانتفاع من هذا التخصص في خدمة مجتمعه مؤطراً ذلك كله بضوابط دينـه .

إذا كان فرويد قد أخطأ في مسألة أو أكثر ، سواءاً كان ذلك عمداً أو جهلاً منه ، فليس معنى ذلك أن نخطئ كل ما قاله فرويد ، وأن نرفض كلامه جملة وتفصيلاً ، فهذه فلسفة العاجز الضعيف في التعامل مع المستجدات . بل يجب على المسلم الواثق من علمه ودينه أن ينتفع من كل ما حوله ، وأن يبحث ويدقق النظر في كل ما يعرض له ، ولعله أن يجد فيه ما يفع به نفسه وأمته .

أننا حينما نقبل شيئاً من كلام فرويد – رغم كونه يهودياً – فليس معنى ذلك أننا نقبل دينه كما يظن بسطاء التفكير الذين لا يدركون روح الإسلام ويتعاملون بحذر وخوف مفرط لم يأمر به الدين مع أبسط مستجدات الحياة .

ليس من الصواب الاعتقاد بأن ما ورد في الكتاب والسنة يغني عن الاستفادة من خبرات الأمم السابقة التي لا تتعارض مع أصول الدين ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لقد هممت أن أنهي عن الغيلة ، ولكني نظرت فإذا فارس والروم يغيلون ولا يضر أولادهم .

المفهوم الثالث عشر :

اعتقاد بعض الناس بأن الطبيب النفساني غير مستقر نفسياً فكيف ننشد العلاج عنده .

وهذا الاعتقاد إنما هو موروث غربي تلقفته المجتمعات الشرقية ، وذلك لأن العلاج النفسي في بداياته كان يعتمد على التحليل النفسي والنظر في مشاعر الفرد وخلجاته التي ربما لا يشعر بها وتقديم تحليل نفسي لها ، وهو ما جعل المعالج يبدو في نظر بعض الناس غريباً وذا قدرات خاصة ، مما جعلهم ينسجون حوله الخيالات والأساطير.

وفي الحقيقة فإن الطبيب النفساني ما هو إلا إنسان عادي تماماً ، قد درس الطب البشري فأعجبه الطب النفسي فاختار التخصص فيه دون سواه .

ولا أنكر أبداً أن من الأطباء النفسانيين من هو غير مستقر نفسياً ، لكنهم ندرة ولله الحمد ، مثلهم في ذلك مثل أي أطباء في أي تخصص آخر أو أي مجموعة أخرى من الناس . ولقد أجريت بعض الدراسات العلمية حول هذا الأمر فلم يوجد فرق إحصائي واضح يثبت أن أطباء النفس أكثر اضطراباً نفسياً من غيرهم . ويبدو أن تركيز الناس في نقدهم على الأطباء النفسانيين دون غيرهم من الأطباء له دور كبير في ذلك ، إضافة إلى أنه ربما أن هناك بعضاً من الأطباء النفسانيين – وهم ندرة حسب رأي – اختاروا الطب النفسي لما يعانونه من بعض المشاعر التي يبحثون لها عن علاج ، والتي قد تبدو على تصرفاتهم بعض الشيء ، فيلاحظها الناس ثم يفسرونها طولاً وعرضاً ، ولو كانت عند غيرهم من الأطباء لما لاحظوها .

وفي المقابل فليست هناك إحصائيات موثوقة تثبت أن الأطباء النفسانيين أكثر استقراراً نفسياً من غيرهم ، ولكنهم – بلا شك – أكثر إدراكاً للنفس البشرية ويستطيعون أن يتعاملوا معها بطريقة أفضل من غيرهم .

ويعتقد بعض الناس بأنه قد تتأثر مع الزمن نفسية الطبيب النفساني فتصيبه بعض العلل النفسية !! وفي الحقيقة أن هذا اعتقاد لا أصل له ، وإنما هو مجموعة من الأوهام نشأت بسبب النظرة الاجتماعية المتوجسة من الطب النفسي . ولعلي هنا أذكر مقولة أحد زملائي الأفاضل الذي اعتاد أن يجيب من يسأله عن مثل ذلك بقوله : إذا كان طبيب النساء والولادة ينتابه الحيض والنفاس بعد فترة ممارسة تخصصه ، ون طبيب الأطفال كلما زادت خبرته صغر حجمه حتى يعود في بطن أمه ، فإن الطبيب النفساني- ولاشك يعتريه ما تشاء من الأمراض النفسية !!.

خـاتمـة

في الحقيقة أن هناك العديد من المفاهيم الخاطئة التي لم نعرض لها إما لدقتها ، أو لأنها تخص فئـة اجتماعية دون سواها ، ولذلك فقد رأيت أنه ربما كان من الأنسب أن أقتصر على ما ذكرت .

ومن أجل تصحيح تلك المفاهيم الخاطئة فإنه يجب أن يكون هناك انتفاضة توعوية شاملة ، والتي تتم بشكل أساسي من خلال ما يلي :

وسـائل الإعـلام .

الأطباء النفسانيين .

من انتفع من الطب النفسي من المرضى وذويهم .

وقد تحدثنا سلفاً عن وسائل الإعلام واتضح لنا أن ضررها – في الحقيقة – أكثر من نفعها في تقديم صورة جيدة للطب النفسي ، رغم أن الأمر قد بدأ يتغير بعض الشيء في الآونة الأخيرة خصوصاً على المستوى المحلي ، فنلاحظ أن وسائل الإعلام على مختلف أشكالها أخذت في تقديم بعض البرامج التي قد تساهم بعض الشيء في تصحيح نظرة المجتمع تجاه الطب النفسي .

وأما الأطباء النفسانيون – ولا أبرئ نفسي – فلأسف أنهم مازالوا يغطون في سبات عميق رغم الحاجة الاجتماعية الملحة لبذل بعض الجهد في توعية الناس . ومن المبهج المحزن في الوقت نفسه أن بعضاً من الأطباء النفسانيين بدأوا يبذلون بعض الجهد في هذا الأمر ، إلا أنها – وللأسف – جهود فردية متفرقة ينقصها التنسيق والتخطيط .

وأما المرضى وذووهم الذين نفعهم الله بالعلاج النفسي فإنهم في الغالب جداً يحمدون الله على السلامة والعافية ويسترون ما أصابهم ، ولا يذكرون ذلك المعالج أو الطب النفسي بخير حتى لا يشك الناس بأنهم قد زاروا نفسانياً يوماً ما . ولعل أقصى ما يفعله بعضهم أن يقول : " سمعت أن فلاناً نفساني متميز ، أو أن تلك العيادة أو ذلك المستشفى النفسي يقدم خدمات جيدة ، والعهدة على الراوي !! "

ولعل السبب المباشر وراء عدم وجود دعاية كافية هو قلة الأطباء المتميزين في هذا التخصص ، ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها :

صعوبة هذا التخصص نوعاً مـا .

أن التميز في التخصص فـي الطب النفسي يحتاج أيضاً إلى مميزات شـخصية

معينة .

قلة إقبال الأطباء على التخصص في الطب النفسي لأسباب عديدة أهمهـا عـدمالقبول الاجتماعـي لـه .

ارتباط هذا التخصص بموروثات غربية تتعارض في بعض الأحيان مع مفاهيم

الـدين الإسـلامي ، وفي أحيان أكـثر مع طبيعة المجتمع العربي المسلم ، مما

يسـتدعي تمحيص ذلك كلـه بشكل يتناسب مع عقيدة وطبيعة المجتمع العربـي

المسلم لكنه للأسف لم ينجح في ذلك إلا القليل من الأطباء النفسانيين .

د/جمال باصهي
15-08-2001, 08:28 AM
الخرف - مرض ألزهايمر

له عدة مسميات أخرى : الخبل ، العته الشيخوخي

التعريف

الخرف ؛ هو مرض عقلي ذهاني يتظاهر بنقص في الذاكرة والذكاء ويحدث غالباً في سن متقدم من العمر .

الأسباب :

أهمها التصلب الشرياني، والشيخوخة .

وقد يحدث الخرف أيضاً؛ بعد صدمة على الرأس ، أو في أعقاب أمراض جسمية مثل السفلس، وفي الأورام الدماغية . ويشاهد هذا المرض بين النساء أكثر مما يشاهد عند الرجال .

الأعراض :

يكون المصاب ضعيف الذاكـرة بالنسبة للحوادث القريبة ، قوي الذاكرة للحـوادث البعيدة ، قليل الاهتمام بمحيطه ، شديد الأنانية ، تخبو عنده العواطف الطبيعية ، وينقص النشاط الجنسي ، وتكثر الثرثرة والهذيان في أغلبية كلامه. وهو إضافة إلى ذلك سريع الغضب وقد يبكي لأتفه الأسباب ، ويغلب أنَّ يبقى في الليل ساهراً يتلهّى بأعمال صبيانية ، وفي بعض أشكال الخرف قد تحدث نوبات من الهياج الليلي تزعج النائمين . يختلّ الاهتداء عند المريض وقد يُضيع طريق بيته ، مما يسبب المشاكل خارج نطاق العائلة .

المعالجــة :

تكفي المداراة في البيت لحالات الخرف البسيطة ، فوجود المريض في بيئة يعرفها ... خيرُ له من بيئة لا يعرفها .. كالمستشفى.

يوضع المريض في المستشفى إنْ وجدت لديه حالة الهذيان والهيجان وعدم الاستقرار الليلي ، وفي حالة القيام بحركات منافية للآداب .

جـ. وأهم ما يُنتبه إليه ؛ محافظة المصاب من الضياع في الطريق أو تعرضه للنار أو سقوطه وإصابته بالكسـور .

د. يجب إعطاء المقويات العامة والفيتامينات. أما في حالة الهياج الليلي فتُعطى المهدئات.

هـ وقد بدأت تظهر أدوية حديثة قد تفيد بعض حالات الخرف البسيطة

د/جمال باصهي
15-08-2001, 08:28 AM
الوسواس القهـري

التعريف

تعرّف الأفعال الإجبارية بأنها ضرورة ملحة لا تقاوم تجبر المصاب على القيام ببعض الأعمال الوسواسية التي لا ضرورة لها ، وتكرارها على نمط معين

الأسباب

أكثرية الأسباب ... يكون الآخرون مسؤولين عنها ، ويذهب ضحيتها المريض . وأهمها



التشدد في التربية أكثر من الحدود ، والتأكيد على التعليمات بإصرار لا يتحمله الطفل . وهذا هو السبب في أكثرية الأفعال الإجبارية المتعلقة بالنظافة.



العـداء المكبوت ضـد أحد الأقرباء ، إذا كان الإفصاح عن سبب هذا العـداء يؤدي إلى فضيحة ... أو يكون فيه عيب مشين .

الأعراض :

إنَّ المصاب يقوم بأداء هذه الأعمال ... ويعلم في نفس الوقت بأنها سخيفة وليس لها غاية . وإذا سئل عن سبب سلوكه هذا ، قدم تفسيرات من اختراعه ... يعلم هو نفسه أنها غير معقولة أو غير صحيحة .

ويحاول المريض دائماً التخلص من هذه الحالة ولكنه لا يستطيع . فإذا امتـنع عن أداء تلك الأفعال شعر بالقلق والانزعاج ، وتضايق بشكل يمنعه من الاستقرار . ولا يختلف ذلك حتى في الأفعال الإجبارية المعقدة والتي يكون في أدائها بعض الصعوبة .

الأشكال :

يمكن القول بأن الأشكال السريرية غير محدودة . إلا أنَّ هنالك نماذج خفيفة كثيرة المشاهدة ، ونماذج معقدة نادرة .



فمن الأفعال الإجبارية الخفيفة ؛ غسل الأيدي المتكرر بدون مبرر. ويترافق هذا الإجبار غالباً بالخوف من القذارة ، فيتجنب المصاب لمس الأشياء التي يرى فيها مصادر للتلوث فيلجأ إلى طرق صعبة .



ومن الأفعال الإجبارية المعقدة ، نذكر المثال التالي : " ولد في الحادية عشر من العمر كان لا ينام إلا إذا قام بالأعمال الوسواسية التالية ؛ كان قبل أنَّ يذهب لفراشه يقص على أمه كل حوادث يومه بالتفصيل ، ثم ينظف سجاد غرفته من كل قطع الورق والأوساخ ، وبعد ذلك يدفع سريره حتى يلتصق بالحائط ويسند إليه ثلاثة كراسي ثم يرتب المخدات بشكل خاص ، وبعد هذه العمليات الشاقة بالنسبة لعمره يستلقي على السرير . وليتمكن من النوم ... عليه أنَّ يرفس برجليه عدداً معيناً من المرات ثم ينقلب على جنبه فينام " .

المعالجـة :

تختلف المعالجة ... ونتائجها بحسب شدة الإصابة .



تفيد المعالجة بالتحليل النفسي لعدة سنوات ، وقد تشفى الحالات الخفيفة بهذه المعالجة وحدها .



أما الأدوية ... فهي وإن كان تأثيرها محدودا في بعض الحالات ، إلا أنَّ إعطاءها ضروري ولو للتخفيف من الأعراض المرافقة ( الكآبة المؤلمة ، القلق ، الأرق ...)

د/جمال باصهي
15-08-2001, 08:30 AM
الهســتيريـا

التعريـف

هي حالة نفسية تظهر بأشكال عديدة ، ولكنها تشترك في كون أعراضها تظهر بصورة لا شعورية وغايتها الحصول على كسب (حقيقي أو متخيَّل ). يصادف هذا المرض في الكبار … وفي الصغار على السواء ولكنه يكثر في البنات بشكل عام

مثال : " جندي في فرقة الموسيقى يتعلم عزف البوق ، وبعد بضعة أيام ظهر عنده - بصورة فجائية - شلل في اليد التي يحمل بها البوق . وعند فحصه تبين أنَّ يده ذات عضلات قوية وأعصاب جيدة وليست مصابة بأي مرض عضوي ، أي أنَّ اليد كانت مصابة بمرض نفساني هو (الشلل الهستيري ) ولدى تحليل نفسية المريض تبين أنَّ هذا الجندي قد أخفق في تعلم الإشارات الموسيقية ولم يستطع مجاراة زملائه "

الشرح يعلم بأن يده غير مصابة بمرض خطير : أنَّ الهستيريا تظاهرت هنا بشكل شلل ، فالمريض ولكنهالمتوقعتحريكها . أما الكسب فهو أنَّ لا يخجل مقتنع في الوقت ذاته بأنها مشلولة لا يستطيع أما زملائه ولا يوصف بأنه ( عاجز عن تعلم الموسيقى

الهستيريا والتمارض

الهستيريا تختلف كل الاختلاف عن حالة التمارض ( انتحال المرض بكامل الإرادة

فمن المفاهيم الخاطئة لدى بعض الناس ؛ أنَّ المصاب بالهستيريا إنما هو شخص متمارض! . ولذا قد يعجز الطبيب عن إيجاد الأسلوب المناسب لشرح حالة المريض لأهله – بسبب ذلك- فيفهمون الأمر فهماً سطحياً خاطئاً

فالفرق كبير بين الهستيريا والتمارض ... إذ أنَّ الأول (مرض ) والثاني ( تحايل ) . هذا من الناحية العلمية النظرية ، ولكن بالحقيقة .. فمن الناحية العلمية الواقعية ؛ لا يمكن أحياناً التفريق بين الحالتين إلا بصعوبة ، كما لو ظهرت الهستيريا بشكل صداع مثلاً

الأسباب

إنَّ العوامل النفسية ، تكاد تكون السبب الوحيد لهذا المرض . وأن أكثرية التجارب النفسية إحداثاً للهستيريا في الحياة العادية هي

عند النساء : الرغبات التي يصعب تحقيقها ، أو النزاعات المتكررة ، وفشل الزواج جنسياً ، والغيرة لأسباب بسيطة أحياناً ( زواج الأخت مثلاً

عند الرجال : الفشل في العمل ، واضطراب الحالة الاقتصادية وبعض الأمراض العضوية التي تجلب له العطف ... أو تمهد للهرب من العمل ... فيستمر المريض على إبداء أعراض المرض بشكل هستيري رغم شفاء المرض العضوي

الأشكال والأعراض

الأعراض الحســيـة : أمثلتها فقد الحس ، واضطراب الحس ، والألم ، والصداع

الأعراض الحواسية : كالعـمــى ، والطــرش ، واضطـــراب الــذوق . الاضطرابات الحركية : الشلل بأنواعه كافة، والتشنج (خاصة انقباض اليد )، والحركات الرقصية ، وانعدام الصوت

الاضطرابات الجسمية : القيء ، والسعال ، وانحباس البول ، وعسر الطمث

فقـد الذاكرة : النسيان لحقبة طويلة من الزمـن ... أو لفترة قصيـرة

اضطرابات الوعـي : كالخبل ، والإسهال الكلامي (تدفق الكلام ) ، وحياكة القصص الخياليـة

الهروب الهستيري : كأن يترك المريض عمله ومسكنه فجأة ويسافر إلى مكان بعيد . وفقد الذاكرة أثناء الهروب فلا يعرف ما جرى إلا إذا أعيدت الذاكرة بطرق خاصة (التنويم بأدوية خاصة

المعالجــة

إنَّ معالجات الهستيريا متنوعة .. ولكل حالة من الحالات معالجة تناسب الأسباب

التحليل النفسي ، لدراسة شخصية المريض وكشف العوامل التي سببت القلق الشديد . وهذه هي المعالجة الأساسية

قد يكفي أحياناً التعضيد والتوجيه والإقناع ، وتشجيع المريض على المساهمة في الشفاء .يمكن استعمال التنويم المغناطيسي هنا ، إذ أنَّ الإيحاء أثناء التنويم ذو فائدة كبيرة

4.يجب إظهار الاهتمام بالمريض ، والحذر من الاستهزاء بحركات المريض وتصرفاته مهما كانت نوعيتها ، إذ أنَّ ذلك كله يزيد في تعقيد حالته ويعرقل الشفاء

د/جمال باصهي
15-08-2001, 08:31 AM
الاكتئاب

التعريف

هو مرض عقلي ذهاني ينتاب الشخص بشكل نوبات من الحُزن لا مبرر لهـا

الأسباب

إنَّ حوادث الوفاة .. تسبب الكآبة والحزن بصورة طبيعية ، ولفترة محدودة . ولكن هذه الحال إنَّ استمرت مدة طويلة وأثرت على صحة الشخص وغيرت من طراز حياته وأثرت في تفكيره .. أصبحت مرضاً يحتاج لتوجيه النظر إليه والاهتمام به قبل استفحال أمره إنَّ أسباب الكآبة على العموم غير معروفة تماماً ، ولكن يبدو أنَّوالظروف الحياتية لها دورها الكبير في إحداث المرض- كما العوامل النفسية المرتبطة بالتربية في المثال السابق وأن للوراثة علاقة بإحداث الاستعداد للمرض على الأقل ،

وبينت الأبحاث الحديثة أن اضطراب بعض العوامل الكيماوية في الجسم والدماغ قد يكون له دور

الأعراض

الكآبة الخفيفة : وتتجلى بمظهر الخمود الشديد ، من قلة الحركة والميل للعزلة . يشعر المريض بتفاهة الحياة. وقد تراوده فكرة الانتحار ، ويشكو من أعراض بدنية متنوعة تشبه ما يسمى بالوهن العصبي

الكآبة الشديدة : وفيها يبدو على المريض في وقت واحد ؛ مظهر الخمود الشديد والانقباض الانفعالي وتوتر العضلات والإطراق . يفقد المريض ثقته بنفسه ، ويبدو عليه فقد الأمل والاستسلام للقدر ، ويصاب بالأرق. وأحياناً يمتـنع عن الأكل

الكآبة الذهولية : وهي أشد أشكال الكآبة (إذ تصل إلى حد الذهول ، ويبدو فيها الجمود ؛ فالمريض صامت وخامد وهو مشغول بأفكار الموت . قد يحتاج المصاب للتغذية بالأنبوب

المعالجـة

إنَّ معالجة المصاب بالكآبة الخفيفة تعترضها كثير من الصعوبات ، ذلك لأن المريض لا يهتم بآراء الطبيب ويرفض الاستماع إلى إرشاداته

أما في الكآبة الشديدة فالمعالجة أقل صعوبة ، لأن المريض يبقى غالباً في حالة سكون لا يعارض في شيء أحيانا. وفيما يلي خطوات المعالجة

المعالجة الدوائية : الأدوية المضادة للكآبة، كلها يمكن استعمالها في المعالجة .. ولكن ضمن قواعد وشروط ، وحسب ما ينسبه الطبيب لكل حالة.

الصدمة الكهربائية: وهي مفيدة وفعّالة، وتستعمل في الكآبة الشديدة أو عند فشل المعالجة الدوائية . ولكن الأدوية الحديثة قلّلت الحاجة للمعالجة الكهربائية

جـ. العلاج النفسي : وهو يفيد في الحوادث التي تكون أسبابها خارجية

الاكتئاب والاسلام

مقدمة


أيها الأخوة والأخوات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يتعوذ بالله ويستجير بالله العلي العظيم من الهم والحزن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل" والإنسان في حياته الدنيا معرض لأن يهتم وأن يغتم وأن يحزن وأن يصاب بشيء من الكآبة والحزن وهذا أمر طبيعي، لقاء اليوم سيكون عن الاكتئاب النفسي والهم بشكل عام وكيف عالج الإسلام هذه الحالة التي يصاب بها الإنسان.



المقدم
فضيلة الشيخ يقول الله عز وجل في محكم التنـزيل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشِّر الصابرين) هل يمكن أن نعتبر هذه الآية أصل في تفسير الحكمة مما يصاب به المرء من البلاء ومن الغم ومن الحزن -قبل أن نأتي إلى تفصيلات وأسباب هذا الهم وهذا الاكتئاب الذي يبتلى به المسلم-؟

القرضاوي
لاشك أن كل إنسان معرَّض في هذه الحياة الدنيا للابتلاء، الإنسان من حيث هو إنسان لابد أن يُبتلَى، حياته نفسها قائمة على الابتلاء (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) والله تعالى يقول (لقد خلقنا الإنسان في كبد) أي في مكابدة ومعاناة منذ يولد الإنسان كما قال الشاعر:

يكون بكاء الطفل ساعة يولد
لما تؤذن الدنيا به من صروفها

لأفسح مما كان فيه وأرغــد
وإلا فما يبكيه منها وإنهــا


منذ يولد الإنسان يولد باكياً فهذه الحياة الإنسانية قائمة على هذا الابتلاء "ما كل ما يتمناه المرء يدركه" والحياة فيها مفاجآت كثيرة، يفقد عزيزاً يصاب بشيء كثير لديه، يفقد مالاً، يفقد أهلاً، يفارق وطناً، طبيعة الحياة الدنيا كطبيعة الإنسان أيضاً، هي بالبلاء محفوفة وبالكَدَرِ موصوفة، كما قال الشاعر أبو الحسن التهامي:

صفواً من الآلام والأكدار
جبلت على كدر وأنت تريدها

متطلب في الماء جذوة نار
ومكلِّف الأيام ضد طباعهـا


هذه هي الدنيا، قيل للإمام علي رضي الله عنه: صف لنا الدنيا، فقال للسائل: وماذا أصف لك من دار أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء. هذه هي الدنيا، فطبيعة الإنسان أنه معرض للابتلاء، طبيعة الدنيا أنها لا تخلو من الآفات، الإنسان المؤمن أشد بلاءاً من غيره لأنه صاحب رسالة، وهذه الرسالة تعرضه للأذى، ومن هنا أقسم الله في هذه الآيات وكان الخطاب للمؤمنين لأنه تعالى قبلها يقول: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) ثم قال بعد ذلك (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات) وعلماء اللغة يقولون (لنبلونكم) اللام للقسم والنون للتوكيد كما قال تعالى (لتبلوُن في أموالكم وأنفسكم ولتسمعُون من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أدنى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) فإذا كان الإنسان معرضاً للابتلاء فإن المؤمن أكثر عرضةً للابتلاء ولذلك جاء في الحديث الشريف "أشرُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاءً وإن كان في دينه رقَّة ـ يعني ضعف ـ ابتُلي على قدر دينه وما يزال البلاء ينـزل بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" ومن هنا القرآن المكي حينما استكثر المؤمنون ما نزل بهم من بلاء وتعذيب وتشديد من الكفار عليهم نزلت أوائل سورة العنكبوت، يقول الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (ألم، أحَسِبَ الذين آمنوا أن يُترَكوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون) أهناك إيمان بلا فتنة وابتلاء (ولقد فتـنَّا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) هذا في العهد المكي، في العهد المدني أيضاً حينما استقر الحال بالمسلمين وظنوا أنه قد سلمت لهم الأمور جاءتهم ابتلاءات .. غزوة أحد، ابتلاء غزوة الخندق (هناك ابتُلي المؤمنون وزُلزِلوا زلزلاً شديداً) فنـزل قول الله تعالى (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مَثَلُ الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساء والضراء وزُلزِلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) يستبطئون النصر "متى؟" والتعقيب (ألا إن نصر الله قريب) ولذلك إذا نظرنا إلى حياة الأنبياء نجد أن حياة الأنبياء كلها سلسلة من المحن والابتلاءات .. انظر إلى حياة سيدنا يوسف عليه السلام، حلقات دامية، حلقة تتصل إلى حلقة أخرى، في أول الأمر أخوته من أبيه تآمروا عليه وقالوا (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً) وقال قائل منهم أرق وأرأف (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجُب) وألقوه في غيابة الجُب كما تُلقى الأحجار، ثم بيع هذا النبي الكريم بعد ذلك كما تباع الشياه (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين) وخدم في البيوت كما يخدم العبيد واتُهِم وأُلقِي في السجن كما يُلقى المجرمون، ولبث في السجن بضع سنين، وهناك محنة أخرى وهي محنة امرأة العزيز وهي محنة من نوع آخر فهذه سلسلة من المحن، لو نظرت إلى موسى عليه السلام وُلِد في المحنة، وهو من يوم أن وُلِد وفرعون مستعد للذبح، فأوحى الله إلى أمه ألقيه في اليم (ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) وترى حياة موسى عليه السلام هرب إلى مدين وهكذا..، هذه حياة الأنبياء ولذلك لا ينبغي للإنسان المؤمن أن ينتظر حياة سالمة من كل هم وغم وكرب، فهذه ليست طبيعة الحياة الدنيا إنه يريد الجنة في الدنيا والجنة لم تأت بعد فلابد أن يوطِّن نفسه على الصبر والاحتمال (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور).

المقدم
إذن فضيلة الشيخ الابتلاء والهم والاكتئاب سُنَّة ربانية لابد أن تحدث للإنسان ويُبتلى المرء على قدر إيمانه؟



مشاهدة من ليبيا
سؤالي لفضيلة الشيخ بالنسبة للاكتئاب النفسي أحيانا يصيبني دعاء أمي باكتئاب نفسي شديد جداً وهي تدعو علينا لأسباب تافهة جداً، مثلاً في أمور ترتيب البيت أو ما شابه تدعو بأشياء فظيعة جداً كالإصابة بالسرطان أو الرزق بالذرية الغير صالحة أو بزوج لا يصوم ولا يصلي، نريد أن نسأل هل دعاء الأم في حالة الغضب مستجاب مع أننا نحاول استرضائها بشتى الطرق؟

القرضاوي
جزى الله ابنتنا خيراً عن سؤالها، الاكتئاب والهم والغم يصيب الإنسان لأسباب ومن هذه الأسباب أحياناً تأتي من داخل نفس الإنسان، وهذا أخطر أنواع الاكتئاب وهو الذي يصاب به الناس في الحضارة المادية الغربية ويسمونها أمراض العصر عندهم، الاكتئاب والقلق المرضي واليائس من الحياة وأحياناً يؤدي إلى الانتحار، وأكثر البلاد انتحاراً هي البلاد الغربية وأكثرها رفاهية، في السويد أعلى مستوى من المعيشة وأفضل ضمانات اجتماعية في العجز والشيخوخة وإصابات العمل والولادة والرضاع، ومع هذا الإنسان لأدنى شيء يذهب وينتحر والعياذ بالله، إذا أخفق في امتحان، أخفق في حبه مع واحدة، أخفق في تجارة، إنما نحن عندنا الذي يعصمنا هو الإيمان كذلك من الأسباب أيضاً الإنسان في تعامله مع الناس هذه المؤثرات الاجتماعية تؤثر في النفس الإنسانية، الإنسان خُلق يتأثر ويؤثر وبعض الناس حسَّاسون أكثر من غيرهم، هناك ناس لا تبالي، وهناك ناس مثل الأخت كلما سمعت أمها تدعو عليها اكتأبت واغتمت ولاشك أن الأبناء مطالبون ببر الآباء والأمهات وخصوصاً الأم، العلماء يقولون أن الأم لها ثلاثة أرباع البر لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل: من أحق الناس بصحابتي قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك.
الأم ينبغي أن تُخَص بالبر أكثر لأنها أحوج إلى البر من الأب ولأن الأبناء أجرأ عليها من الأب، ولأنها تعبت أكثر من الأب (حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) ولكن لاشك أن البنت إذا كانت مطالبة بالبر فالأم لا يجوز لها أن تدعو على أولادها، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وقال: لا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على خدمكم فلعلكم تصادفون ساعة إجابة فيجيب الله الدعاء، يجوز أن تكون أبواب السماء مفتوحة في هذا الوقت، فلذلك لا يجوز للإنسان أن يدعو على نفسه، فبعض الناس كما قال الله تعالى (ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير) ففي حالة الغضب يدعو حتى على نفسه يا رب خذني، فهكذا تجد الناس ويبدو أن الأم هي عصبية المزاج، حادة الطبع، فإذا أغضبتها ابنتها في بعض الأشياء التافهة تدعو عليها بأشياء غير مقبولة كالإصابة بالأمراض الخبيثة، أو أن يرزقها الله بزوج سيئ وذرية سيئة، هذا لا يجوز، وليس على البنت إلا الصبر على أمها، الله تعالى يقول (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا)، (جاهداك) أي حاولا محاولة مستميتة والقرآن عبر عنها بالجهاد أي مقاتلة حتى يحملاك على الشرك، أي تعبد الأصنام وتترك دين التوحيد (فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) أظن ليس هناك بعد الحمل على الشرك والجهاد على الشرك، فأمها حتى لو دعت عليها يجب عليها أن تقابلها بحسن اللطف والأدب وتحاول كسب رضاها، ولعل هذه الأم من الناس الذين عندهم حدة الطبع تخرجهم عن الإرادة ولذلك بعض العلماء يقولون: إن طلاق الغضبان في حالة البغض الشديد لا يقع، لأنه لم يعد يملك السيطرة على نفسه، فننصح ابنتنا أن تعذر أمها وعندما ترضى تلاطفها وتقول لها: يا والدتي لا تدعي عليَّ فأنت لا ترضين عليَّ هذا، ولا أعتقد أن الأم ترضى لأبنتها هذا، لا يمكن لأم طبيعية أن تحب لابنتها أن تصاب بالسرطان أو أن تتزوج إنساناً سيئاً، وأتصور أن قلب الأم لا يرضى بهذا ولكن دفع إلى هذا حدة الطبع وشدة الغضب.



مشاهد من الطائف (السعودية)
عندي سؤالين:
السؤال الأول: إذا كان هناك أدعية مأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة يستفيد منها المسلمين إذا أصيبوا باكتئاب نفسي.
والسؤال الثاني خارج الموضوع: صار لي حادث مروري قبل 5 سنوات وتوفت والدتي وأصبت أنا وزوجتي وأولادي بإصابات بليغة، القاضي الذي تولى هذا الموضوع قال أنني السبب في الحادث مع أن الإصابة كانت من الخلف وقال لي عليك صيام شهرين وأنا في حيرة من هذا، وعاجز عن الصيام وأنا على يقين أنني لم أتسبب في الحادث وكنت مدركاً لذلك.

القرضاوي
السؤال الأول هو سؤال مهم جداً، وهو الأدعية والأذكار التي يستعين بها المسلم إذا نزل به الكرب أو أصابته المحن وأحاطت به البلايا، عندنا مجموعة من الأذكار هي أسلحة في يد الإنسان المسلم يقاوم بها هذه الكروب التي تنـزل به ذكرها الإمام ابن القيم في كتابه "زاد المعاد" في أدعية الكرب، منها ما جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في دعاء الكرب: "لا إله إلا الله العليم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم" منها دعوة ذي النون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوة أخي ذي النون حينما دعا في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله بها عنه)، القرآن ذكر هذه الدعوة (ذا النون إذ ذهب مغاضباً فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، (الظلمات) هي ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت، هذا الدعاء على قصره فيه التوحيد (لا إله إلا أنت)، والتنـزيه (سبحانك)، والاعتراف (إني كنت من الظالمين)، (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) أيضاً الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها أن تقول: "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" وكذلك الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أمامة أن يقول "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدَين وقهر الرجال" والدعاء أيضاً الذي رواه ابن مسعود "اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فِيَّ حكمك عدل في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي" يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء "ما قاله مسلم إلا اذهب الله حزنه وأبدله ترحه فرحاً" كذلك "الله ربي ولا أشرك به شيئاً" والاستغفار أيضاً، من لَزِم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، أدعية كثيرة أنصح الأخوة أن يراجعوها في كتاب "زاد المعاد" وهي في هدية صلى الله عليه وسلم في الطب ومنها الطب في هذه الحالات فهذه الأدعية تقوي الإنسان المسلم لأنها تجعله يلجأ إلى ركن ركين، ويعتصم بحبل متين وبحصن حصين، يعوذ بالله ويلوذ بجنابه سبحانه وتعالى.
أما بالنسبة لسؤاله الثاني فلقد حكم القاضي في هذا الأمر وعادة المفتي لا يعقِّب على القاضي إنما على أساس أن هذا ليس منه حق للآخرين، فالقاضي هنا هو أشبه بالمفتي لأنه نصحه أن يصوم شهرين متتابعين، الحقيقة إذا لم يكن الأخ أخطأ في هذا الحادث فبعض العلماء يقولون أن السائق هو المسئول حتى لو لم يخطئ لأنه بسبب فعله حدث ما حدث، أنا أنصحه أن يصوم في هذه الأيام أيام الشتاء هي أيام قصيرة وباردة، والإنسان فيها يستعين بالله واحتياطاً يصوم لأن الله جعل هذه كفارة فهو قتل نفسا خطأً فعليه أن يحيي نفساً، الإنسان لا يستطيع أن يحيي النفس وإنما جُعل بدل الأحياء تحرير الرقبة، والتي بمثابة إحياء نفس، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً.



المقدم
معنا الدكتور أحمد عبد العزيز النجار أستاذ علم النفس بجامعة الإمارات .. دكتور بما أنك أستاذ في علم النفس، نريد منك تعريف الاكتئاب والمضاعفات المحتملة لهذا المرض ومتى يكون مرض، وذلك لأن كل منا يهتم ويكتئب في أي مسألة ولكن متى يصل إلى درجة مرض يجب أن يعالَج؟

الدكتور أحمد
الحقيقة أن هذا الموضوع من المواضيع التي يعاني منها الكل ولا يوجد إنسان مهما كبر ومهما صغر ومهما ازداد علماً أو ديناً أو مالاً أن يتخلص من موضوع الاكتئاب، الإشكالية الأساسية في هذا الموضوع أو في هذه القضية أننا نظل نعاني نفكر في القضايا وتتعارض طموحاتنا وآمالنا مع الواقع الذي نعيش فيه ولذلك كثير من الأحيان من حاولوا تعريف الاكتئاب والهم، اعتبروه أنه حالة عقلية انفعالية ذاتية التقدير تدفع الإنسان إلى الحزن والكآبة، اعتبروه كأنه أسلوب في التفكير يدفع بالإنسان منا إلى أن يفكر بالصورة السالبة، نحن نعرف أن تفكير الإنسان بشكل عام يتأثر بالعاطفة فكلما ازدادت العاطفة إيجابا يعني عندما يدخل الحب كما يقول الشاعر

"وإن الرضا عن كل عين كليلة" يفقد الإنسان النظر إلى الشيء بصورة موضوعية كما نشبه الاكتئاب أو الحزن والقول أن الاكتئاب يعتبر حالة مرضية هو بأقل حالاته يعتبر حالة مرضية، ولكن البعض يعتبروه كأنه توعك كتوعك المريض يضعون له بعض العلامات، والدلائل يعتبرون أن هناك علامات سلوكية أو تصرفات، على سبيل المثال الشعور بالتعب الجسدي بدون مبرر، الاضطراب في النوم، الحساسية أو سهولة الألم والحزن على أقل شيء فالأشياء التي ليس لها أهمية فهو يكبِّرها، هناك بعض الأعراض مثل الصداع، فقدان الرغبة أو الاستمتاع بالأمور والقضايا العادية، صعوبة في التركيز، عدم الشعور بالفائدة فهو يشعر أنه ليس ذا أهمية في الحياة، رغبة في الانتقام، قلق، هي في الحقيقة أعراض كثيرة.



المقدم
هل هناك سن معين تزداد فيه حالات الاكتئاب، أم أنها تعتري الإنسان في كل مراحل حياته؟

الدكتور أحمد
يقال أن همومنا صنع أفكارنا، الموضوع ليس له علاقة بفئة عمرية معينة، الصغير ممكن يكتئب والكبير ممكن يكتئب، الاكتئاب يرجع إلى وجود أسباب معينة، طبعا لا يوجد صفة للإنسان المكتئب لأنه يصيب الإنسان العادي والضعيف الشخصية والإنسان القوي والسليم كما ذكرت، ولكن في الحقيقة الإنسان عندما يواجه مشكلة في الحياة فهو يفكر فيها من خلال هل لديه إمكانية مواجهة هذه المشكلة أم لا، في الغالب إن لم تكن لديه هذه الإمكانية فهو يشعر بضيق بألم الذي يؤدي بعد فترة من الزمن إلى الشعور بالاكتئاب ، وإذا أردنا أن نتحدث هنا.. نتحدث عن الاكتئاب النفسي الذي يصيب بعض المتحمسين أو المتدينين والذي يأتي من أسباب عدم الشعور بالسيطرة على الواقع، النظر إلى المشكلات الاجتماعية التي يعانيها الناس بسبب البعد عن الدين، مشكلات ضعف الأمة العربية والإسلامية، فقدان المسلم لشخصيته، هذه القضايا تعطينا كثيرا من المشاكل خاصة تلك التي تتصل بالتعصب الديني، تلك التي تتصل بسوء فهم الأحكام الشرعية، تلك التي تتصل بالحكم على المواقف أو المتغيرات السياسية والاجتماعية أو الدينية على مختلف أنواعها.



القرضاوي
شكر الله الأخ الدكتور أحمد في الواقع ما قاله مفيد فعلاً، فليس كل من أصابه حزن يعتبر مريضاً، لأن الحزن ظاهرة طبيعية، الإنسان من شأنه أن يفرح وأن يحزن وهذه سُنَّة الحياة ولكن الذي يحزن بغير سبب أو الذي يطول حزنه ولا يجد مجالاً لأن يغير من واقعه هذا هو الذي نعتبره مكتئباً، يعني سيدنا يعقوب عليه السلام حزن على فراق ابنه يوسف ولكنه أيضاً شكا ذلك إلى الله قال (إنما أشكو بثِّي وحزني إلى الله واعلم من الله ما لا تعلمون) ورغم حزنه على فراق ابنه لم يفارقه الأمل في أن يراه لذلك قال (يا بني اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من رَوح الله إنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون) قال (عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً) هذا الأمل يخفف عن الإنسان من شدة التأثير الحزن والكآبة ولذلك الإيمان هو أعظم علاج للقلق ولهذه الأمراض، المؤمن إذا قوي إيمانه ينظر إلى هذه الأمور نظرة يفلسفها، يسمع قول الله تعالى (فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم) ويعلم أن دوام الحال من المحال، وتلك الأيام نداولها بين الناس، الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، سيجعل الله بعد عسر يسراً، (فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً) يعلم أن هذا الشيء لا يدوم، هذا يعطيه قوة في مواجهة الحياة، سيدنا عمر علمنا كيف نفلسف المصيبة ونجعلها نعمة لأنه قال: "ما أصبت ببلاء إلا وجدت لله علي فيه أربع نعم الأولى أنه لم يكن في ديني، وكل مصيبة في الدنيا تهون إذا لم تكن في الدين، وعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا"، والثانية أنه لم يكن أكبر منه، لأن كل بلاء هناك بلاء أكبر منه وبعض الشر أهون من بعض، والناس تقول قضى أهون من قضى، ومن رأى بلوة غيره هانت عليه بلواه، والثالثة أنني لم أُحرم الرضا به، وفي بعض الأحاديث إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والرَوح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك، فالرضا يجعلك تنظر للأمور نظرة غير نظرة الإنسان الساخط، والرابعة أنني أرجو ثواب الله عليه، أحد الصالحين دخلت في رجله عظمة وخرجت من الجهة الأخرى، فابتسم وقال: الحمد لله، قيل له: فيك كل هذا الوجع وتبتسم! قال: إن حلاوة ثوابي أنستني مرارة وجعي. سيدنا عروة بن الزبير كان من فقهاء التابعين ومحدثيهم وصالحيهم أصيب في يوم واحد بمصيبتين، قرر الأطباء أن رجله أصابها أُكلة فيجب أن تقطع وجاءه خبراً أن فرساً رفست أحد أبناءه فمات، لكنه نظر إلى رجله المقطوعة ورجله السليمة وقال: اللهم إن كنت ابتليت فقد عافيت، ونظر إلى ابنه المقتول وأولاده الآخرين قال: وإن كنت أخذت فقد أعطيت، بهذه الفلسفة الإيمانية يستريح الإنسان، بعض الناس ينظر إلى النعم المفقودة ولا ينظر إلى النعم المفقودة ولا ينظر إلى النعم الموجودة، قد يكون عنده أضعاف هذه النعم ولكنه غافل عنها الإيمان يجعله ينظر إلى هذا ويقول: الحمد لله.



مشاهد من دبي (الإمارات)
هناك موضوع يؤرقني ويقلقني ويشتد بي هماً، قبل عام غادرت الزوجة إلى البلاد وخضعت لفحوصات وعملية ـ أطفال الأنابيب ـ وكان ذلك في رمضان وأفطرَت نتيجة لذلك يومين بعد الدورة الشهرية، وعندها أخذوا مني حيوانات منوية بواسطة الاستمناء وليس بواسطة الجماع، لأن المختبر لا يعمل بالليل والسؤال هل تقضي الزوجة اليومين أم تصوم شهرين متتاليين وهل أقضي أنا اليوم الذي أفطرته أم علي كفارة الإفطار علما بأنني صمت 15 يوم.

القرضاوي
بالنسبة لك يا أخي عليك أن تصوم يوماً بدلهذا لأن الاستمناء يفطِّر ولا إثم عليك لأنك مضطر للعلاج، والزوجة تقضي اليومين وليس عليها كفارة إن شاء الله.



المقدم
وصل سؤال بالفاكس من شاب يقول أنا في الثالثة عشر من عمري وأنا في الصف الأول الإعدادي (السابع) وأرعى بيتين، ولي مشكلة واحدة هي أنه عندما أفكر في اليوم الآخر وكيفية يوم القيامة أشعر بالاكتئاب والخوف ومع أنني ولد لا أفوِّت صلاة واحدة ولا حتى صلاة العيدين وأقوم بكامل واجباتي تجاه الله عز وجل فما تفسير ذلك؟

القرضاوي
الخوف من الله ومن اليوم الآخر مطلوب كما قال الله تعالى (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) وحكى عن الأبرار أنهم يقولون (إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً) فالخوف من اليوم الآخر ومن الحساب ومن الجزاء ومن الجنة والنار، خوف مطلوب بشرط ألا يصبح خوفاً مرضياً يصيب الإنسان بالهلع والرعب، شكا لي أحد الآباء أن ابنته صغيرة سمعت شريطاً عن عذاب القبر وهو شريط مخيف، حيات كالأفيال وعقارب كالبغال، بعض الوعَّاظ والمحدِّثين يهولون في هذه الأمور ويعتمدون على أحاديث ضعيفة وأحاديث موضوعة وحكايات لا أصل لها لتخويف الناس، ولكن هذا التخويف زائد، وكل شيء إذا زاد عن حده ينقلب لضده، فيؤدي هذا الرعب الذي يجعل البنت تقوم فزعة في الليل وأقلقت الأسرة وقد أصيبت هذه البنت بحالة أشبه بالهستيريا، ولذلك أنا أنصح المذكِّرين والمحدِّثين والوعَّاظ أن يكونوا مقتصدين في هذا، القرآن يحاول أن يعمل توازن بين الرجاء والخوف، بين الترغيب والترهيب (يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)، (يرجون رحمته ويخافون عذابه) ولذلك القرآن يصف الله تبارك وتعالى بقوله (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول)، (إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم)، (إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب)، (وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان)، فأنا أنصح الذين يعرضون لأمور الآخرة وأمور القبر وأمور الموت وأمور الحساب أن يكونوا على سُنَّة القرآن بحيث ترجية مع تخويف، وترغيب مع ترهيب ووعد مع وعيد، حتى يتوازن هذان الأمران في نفس الإنسان المسلم، لا يصل به الرجاء إلى حد الأمن من مكر الله ولا يصل به الخوف إلى حد اليأس من رَوح الله (فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، (ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون).

المقدم
إذن نصيحتنا لولدنا هذا أنه كما يذكر الأمور التي تخوِّف من الآخرة يذكر رحمة الله ويذكر الجنة

القرضاوي
يذكر رحمة الله سبحانه وتعالى وأن الله عنده مائة رحمة أنزل من هذه المائة رحمة واحدة الناس يترحمون بها في الدنيا وأبقى 99 رحمة للآخرة.



مشاهد من تونس
نحب أن نسأل فضيلة الدكتور سؤالين:
السؤال الأول: لو أصيب شخص باكتئاب ولم يعالج هذا الاكتئاب فهل عليه جزاء؟
السؤال الثاني: يتعلق بما يسمى في بعض البلدان العربية التنمية الرياضية وهي عبارة عن مجموعة من الناس تشارك في مسابقة على هيئة فِرَق ويفوز في النهاية فريق منهم مع العلم أن هؤلاء الناس يدفعون مبالغ من المال للمشاركة ولكن المال في النهاية يفوز بنسبة منه الفريق الفائز، والذي توصل إلى الأجوبة الصحيحة وقد سمعت بعض شيوخ الدين حلل هذا النوع من المسابقات فما رأي فضيلتكم في ذلك؟

المقدم
بالنسبة للسؤال الأول وهو إذا لم نصل إلى حل للاكتئاب وقد يلجأ أحياناً بعض الناس إلى تصرفات خاطئة والعياذ بالله قد يعاقر الخمر وقد يؤذي نفسه أحياناً نتيجة إما ديون تراكمت عليه أو أي هم من هموم الدنيا.

القرضاوي
العلاج كما قلت هو الإيمان والله تعالى يقول (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) الصبر هو قوة الإرادة، أنه يقوي إرادته في مواجهة هذه المحن ويقويها بمجموعة من المفاهيم أعطاها له الإسلام، وقد قال الله (وبشِّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإنا إليه راجعون) بعد أن قال لنبلونكم بكذا وكذا، كما قالت أم سليم حينما مرض أحد أطفالها وأدركه الأجل أي مات وجاء زوجها أبو طلحة الأنصاري وسألها عن الطفل قالت له: قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح ففهم أنه شفي وهو مات، وأصابها في تلك الليلة وبعد هذا قالت له: أرأيت لو كان عندنا متاع لجيراننا ائتمنونا عليه ثم طلبوه منا قال: من حقهم هذه أمانتهم وطلبوها، قالت له: فإن الله أعطانا ابننا فلان هذا وديعة ثم استرده منا، فغضب وشكا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما فعلت أم سليم فأثنى النبي عليها ودعا لهما بالبركة ورزقهما الله في هذه الليلة بطفل وكان من هذا الطفل تسعة بعد ذلك منهم إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة أحد المحدثين المشهورين، المهم إن الإنسان يقول (إنا لله وإنا إليه راجعون) أي سنرجع إلى الله فيكافئنا ويجازينا لا يضيع شيء عند الله، فالإنسان عليه أن يعالج نفسه بمثل هذه المفاهيم الإسلامية وإن الصبر وراءه خير الدنيا والآخرة، عزَّى سيدنا علي رجلاً في وفاة ابنه فقال له: يا أبا فلان إنك إن صبرت نفذت فيك المقادير وأنت مأجور وإن جزعت نفذت فيك المقادير فأنت مأزور، العوام عبروا عن هذا فقالوا: "إن صبرتم أجرتم وسهم الله نافذ وإن ما صبرتم كفرتم وسهم الله نافذ" أي أن سهم الله نافذ في كلا الحالتين ومادام سهم الله نافذاً فلماذا لا يصبر الإنسان، فهذه المفاهيم مطلوبة حتى يستطيع الإنسان أن يتغلب على همومه وأحزانه، الصبر والصلاة، الصلاة أيضاً مدد، كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة يجد فيها عون على مصائب الدنيا، أيضا الإنسان لا يعتزل بل يخالط المؤمنين لأنه إذا بقي وحده يستوحش، والوحدة أحياناً تكون قاتلة، يشتغل مع المؤمنين يسلي نفسه بعمل الخير يشارك في جمعية يحسن إلى الناس فيدعون له، يشعر بسرور إنما بعض الناس إذا أصابه شيء اعتزل، العزلة نفسها خطر بمثل هذه الأمور ينبغي أن يعالج الإنسان نفسه، فهناك شيء في مقدور الإنسان وربنا يحاسبه لماذا قصرت فيه، وهناك شيء فوق طاقة الإنسان (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
أما بالنسبة للسؤال الآخر فأنا أقول إذا دخل الشخص هذه المسابقة ليس لغرض إلا ليكسب فإما يربح وإما يخسر فهذا هو القمار، إنما لو دخل شخص هو يعجبه هذا ويريد أن يشارك وليس هناك مشاركة إلا برسوم فيدفع، إنما لو كان داخل ويقول أنا أريد أن أكسب ولولا هذا ما دفعت ولا فلس مثل اليانصيب فهذه الأشياء التي تحتمل إما الربح أو الخسارة هذه هي الميسر أو القمار وهي محرمة.



مشاهد من العين (الإمارات)
لي صديق كان مسيحي وأسلم ليتزوج وبعد فترة 10 - 15 سنة وجدت أنه لا يصلي وبعيد عن الإسلام وأصبح كل أصدقائه من المسيحيين فما الذي يمكن أن نعمله معه هل هو في حكم المرتد وبذلك تحرم عليه زوجته، هو يقول أنه على الإسلام ولديه أولاد ولكنني لم أره ولا مرة يصلي في مسجد فماذا نفعل وجزاكم الله خيراً؟

القرضاوي
جزاك الله خيراً على الاهتمام بهذا الأمر ولكن هذا الاهتمام لا يجب أن يجعلك تكتئب نحن لا نريد للمسلمين أن يكتئبوا وأن يحاولوا علاج الأمور وأن يجدوا لكل مشكلة حلاً وكل مشكلة في الدنيا لها حل، الناس تقول: كل عقدة ولها حلال، وهذا عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله" لابد أن نعلم أنه لا يوجد شيء بدون حل، أنا أقول للأخ إذا كان الرجل قد أسلم حقاً في وقت من الأوقات، المشكل إن بعض الناس هو لا يريد الإسلام إنما يريد فلانة وأسلم من أجلها وهذا إسلام مدخول مشكوك فيه، إنما لو جعلته فلانة يحب الإسلام ودخل في الإسلام ولكنه لم يعمل الأعمال الصالحة، هنا هل عمل بعض الأعمال الصالحة أم لم يعمل عملاً صالحاً قط، الإيمان لابد أن يكون له أثر، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولكن حتى ولو بعض العمل يصلي الجمعة مرة، يصلي العيد مرة، يعمل أي شيء ليثبت إسلامه، إن كان يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقول أنا مسلم فيكون الخلاف هل ترك الفرائض وعمل الكبائر يكفِّر أو لا؟ هذه قضايا ورأي أهل السُنَّة، إنه إذا كان مؤمناً بأنه لا إله إلا الله محمد رسول الله ولو قصر في الأعمال فهو مسلم فاسق يعني لا تطلَّق منه زوجته، إنما لو كان ليس له بالإسلام أي صلة وهي كلمة قالها وانتهت من زمان فهذا مرتد ولا تستطيع إدارة الإفتاء أن تجبره على شيء ما لم تقم الزوجة نفسها بتقديم شكوى أن هذا لم يعد مسلماً إنما من غير ذلك فلن يجبره أحد على شيء، كان في السابق من الممكن لشخص أن يحتسب على شخص آخر، إنما ظهر الآن قانون في مصر أنه لا يجوز لشخص أن يحتسب على شخص آخر إلا إذا كان له هو فيه مصلحة تخصه من غير ذلك لا يستطيع أن يحتسب على الآخرين.



مشاهد من عمان
قرأت في كتاب أحمد بن حنبل هذا النص "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه الكآبة" النص الآخر "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان كئيباً حزيناً" ربط بين الكآبة والحزن كيف كان حزن الرسول عليه الصلاة والسلام ونحن نعلم أنه حزن على وفاة ابنه إبراهيم؟

القرضاوي
لاشك أن الحزن يعتري الأنبياء كما يعتري عامة الناس ذكرنا حزن سيدنا يعقوب عليه السلام والرسول عليه الصلاة والسلام بشر يفرح كما يفرح البشر ويحزن كما يحزن البشر، لذلك حزن على وفاة عمه حمزة وحزن على من أصيبوا من الصحابة في أُحُد، ونزل قول الله تعالى (ولا تهِنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلَون إن كنتم مؤمنين) وحزن على وفاة ابنه إبراهيم وقال: "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون" هنا ميزة المؤمن عن غيره "لا نقول إلا ما يرضي ربنا" الحزن هذا شيء طبيعي حينما ماتت حفيدة للنبي عليه الصلاة والسلام فدمعت عيناه فقيل له: يا رسول الله نهيتنا عن البكاء فقال: هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، فالحزن الطبيعي والرحمة الطبيعية لا يمنع منها بشر، إنما الذي يمنع هو الاستسلام لهذه الأشياء والاستمرار فيها حتى تصبح مرضاً وهذا أعاذ الله منه رسوله صلى الله عليه وسلم فقد كان يستعيذ بالله من الهم والحزن وقال الله تعالى (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون)

د/جمال باصهي
25-08-2001, 12:21 PM
الطلا ق تخريب لنفسية الطفل
talag



اضطراب فى السلوك وخوف من الزواج
تضارب فى الشعور بالولاء
ميل للعنف وحدة فى الطباع



أكثر من90% من حالات الطلاق تعطي الحضانة للأم، وهؤلاء الأمهات يصبحن أكثر ابتعادا عن أطفالهن عاطفيا وجسمانيا نظرا لمسئولياتهن الجديدة وأعبائهن والضغط النفسي والعاطفي للطلاق وتبعاته الاقتصادية السلبية، التي قد تتمثل في اختلاف مستوي المعيشة والمدارس والأنشطة لتقنين النفقات، مما يدفع بكثير من الأمهات الحاضنات إلي البحث عن وظائف جديدة خارج المنزل، ونتيجة ذلك تعاد ترتيبات الرعاية للأطفال الصغار في حين يطلب من الأطفال الأكبر سنا رعاية أنفسهم لمدة أطول يوميا، حيث يكونون بمفردهم غالبا، كما قد يحرم الأطفال من ممارسة أنشطة يحبونها نظرا لعدم وجود وسائل انتقال مثلا. وهذا يحرم الطفل من أحد والديه ومما اعتاد عليه من نشاطات أيضا، وأحيانا تنتقل الأسرة كنتيجة للطلاق إلي مكان آخر، فقد تختار الأم أن تأخذ الأبناء وتنتقل إلي بيت ذويها كخطوة لضغط النفقات والاستفادة من الجدين في رعاية الصغار بالإضافة إلي الحصول علي دعم معنوي، وهذا الانتقال يبعد الطفل عن محيط جيرانه المألوفين وقد يبعده عن مدرسته وأصدقائه كما قد يعاني مشاكل التأقلم مع المحيط الجديد.
وفي مراحل الطفولة الأولي غالبا ما يتعرض الطفل لسلوك مضطرب من لدن الآباء نتيجة لقلة خبرة الآباء في مواجهة الأزمات والإحباطات الكبيرة المصاحبة للطلاق ولكنه قد يكون أيضا نتيجة لجهد طرف من الأبوين لجرح الطرف الآخر وإيذائه، وفي دراسة علي عينة من الأطفال131 طفلا لآباء مطلقين من الطبقة الاجتماعية المتوسطة وهؤلاء الأطفال تراوحت أعمارهم بين 2 إلي 18 سنة عند وقوع الطلاق وقد اختيرت تلك العينة بحيث لم يعاني هؤلاء الأطفال من مشاكل سلوكية أو عاطفية من قبل، وقد وجد أن أطفال ما قبل المدرسة والذين تتراوح أعمارهم من 2 إلي 5 سنوات سلكوا في البداية سلوكا مرتدا فعانوا من اضطرابات النوم واضطرابات السلوك والقلق كما حدثت حالات تبول لا إرادي وزادت حاجتهم للفت انتباه الآباء بدرجة ملحوظة.
والأطفال في تلك المرحلة العمرية غالبا ما يظهرون دلائل تشير إلي شعورهم بالمسئولية عند حدوث الطلاق ويشعرون بالخوف الشديد من أن ينبذهم آبائهم، وقد تقف مهاراتهم المعرفية واللغوية المحدودة عائقا أمام مقدرتهم علي التعبير عن مخاوفهم وقلقهم. كما تعيق الوالدين في تهدئتهم وتنشيط قلقهم، ويعتبر سلوك الأبناء المرتد ضغطا مضاعفا علي الآباء الذين يعانون أساسا من الإحباط كنتيجة لمرورهم بمراحل الطلاق المبكرة. ومن ناحية أخري يكثف اكتئاب الوالدين شعور الطفل بالخوف من احتمال هجر الوالدين لهم.
وفي المرحلة الدراسية المبكرة من سن 5 سنوات ونصف إلي 8 سنوات وجد أن الأطفال يصابون باكتئاب وحزن ملموس ويشعرون بالخوف من أن ينبذوا من الطرف الغائب كما يخشون أن يحل محلهم آخرين في قلوب والديهم. وقد يتأثر أدائهم الدراسي وعلاقاتهم بالآخرين. وبل وقد تظهر أنواع من المخاوف المرضية من شيء ما كوسيلة للتعبير عن غضبهم الذي لا يستطيعون توجيهه إلي آبائهم بصوره مباشرة.
وفي سنوات الدراسة المتأخرة من سن 9 إلي 12 سنة يصبح الطفل شديد الغضب علي أحد الوالدين أو كلاهما. ويشتعل هذا الغضب تبعا لحاجاتهم المتنامية في تلك المرحلة العمرية إلي تصنيف الأشياء إلي "حسن" أو"ردئ" فيقوموا بإدانه الطرف الذي سعي إلي الطلاق أولا بشدة. كما قد يشعروا بالغضب من الطرف الحاضن نظرا لأنه سمع للطرف، وهذه المرحلة العمرية وهي المراهقة تتسم أساسا بالخلط في كثير من الأمور خاصة الجنسية منها وقد يحدث لهم تدهور في مستواهم الدراسي وعلاقتهم بالزملاء.
ويصب المراهق اللوم علي نفسه بإعتباره سببا للطلاق. وينتاب الكثير منهم شعور مرير بالذنب إذ يسلمون تماما بأن الأطفال هم سبب طلاق الآباء مما يؤثر علي سلوكهم، والمراهق الذي يجد نفسه بدون منزل مستقر يستند إليه يشعر عادة بعدم الأمان والوحدة والإحباط. وقد تتطور الحالة عند بعض المراهقين إلي"حالة فعل" فيصبح فاشلا دراسيا. أو يسلك سلوكا إجراميا أو منحرفا (الإدمان- الإنحراف الجنسي) وبطبيعة الحال كلما نما المراهق نحو النضج أصبح أكثر قدرة علي التواءم والتآلف مع الشكل الجديد للأسرة.

تأثير الطلاق علي المدي الطويل


أكدت الدراسات أنه في خلال الست سنوات التي تلي حدوث الطلاق يعاني الأبناء من تغيرات سلبية أكثر من الأطفال الآخرين بالإضافة إلي مشكلات سلوكية متزايدة بعد ستة سنوات، وقد اتضح أن الأطفال الذين مروا بتجربة طلاق الوالدين في سن صغيرة أقل النوعيات تأثيرا لأنهم لا يتذكرون جيدا الذكريات السلبية التي صاحبت الطلاق، وهم أقل فئة تشعر بالخوف والقلق من خوض تجربة الزواج في المستقبل. وعلي العكس من ذلك وجد أن الفئة العمرية التي تراوحت أعمارها من6 إلي 8 سنوات عند حدوث الطلاق هم أكثر من يشعرون بالخوف والقلق من خوض العلاقات العاطفية والزواج في المستقبل كما يشعرون بنوع من"قلة الحيلة" والفئة الأكبر تستشعر نوعا من الحزن كما يبدون نوعا من التوتر والقلق المرضي من فكرة خوض تجربة زواج فاشل هم أنفسهم. ويضع البعض منهم قاعدة يصر عليها هي ألا يخوض تجربة الطلاق أبدا إذا أنجب الأبناء.
وهناك العديد من الخطوات الواجب علي الطفل اتباعها من أجل صحته النفسية:

أولا: الإقرار بوقوع الطلاق والكف عن الإحساس بالحنين إلي جمع شمل الأسرة مرة أخري.
ويتطلب هذا من الطفل أن يفصل بين حقيقة الطلاق. وإحساسه الملح بحاجته إلي الوالدين وإنكاره الداخلي لفكرة إنهيار الأسرة. ومحاربة أوهامه المخيفة التي قد تصور له أن أبواه سينبذانه. وفي مرحلة ما قبل المدرسة يظل الطفل يتشبث بفكرة حدوث معجزة تعيد الطرف الغائب، ولكن الأطفال الأكبر سنا يكونوا أكثر تأهبا لتقبل فكرة الطلاق بتعقل علي الرغم من وجود رغبة قوية جدا لديهم لإنكار الطلاق. وقد يبذلون الكثير من الجهد في محاولة إقناع الوالدين بعودة الحياة الزوجية.

د/جمال باصهي
25-08-2001, 12:22 PM
ثلاثـون وصية .. تسعد بها زوجتك
zwgak

السعادة الزوجية أشبه بقرص من العسل تبنيه نحلتان ، وكلما زاد الجهد فيه زادت حلاوة الشهد فيه . وكثيرون يسألون كيف يصنعون السعادة في بيوتهم ، ولماذا يفشلون في تحقيق هناءة الأسرة واستقرارها .
ولا شك أن مسؤولية السعادة الزوجية تقع على الزوجين .فلا بد من وجود المحبة بين الزوجين. وليس المقصود بالمحبة ذلك الشعور الأهوج الذي يلتهب فجأة وينطفئ فجأة ، إنما هو ذلك التوافق الروحي والإحساس العاطفي النبيل بين الزوجين .
والبيت السعيد لا يقف على المحبة وحدها ، بل لا بد أن تتبعها روح التسامح بين الزوجين . والتسامح لا يتأتى بغير تبادل حسن الظن والثقة بين الطرفين . والتعاون عامل رئيسي في تهيئة البيت السعيد ، وبغيره تضعف قيم المحبة والتسامح . والتعاون يكون أدبياً ومادياً . ويتمثل الأول في حسن استعداد الزوجين لحل ما يعرض للأسرة من مشكلات . فمعظم الشقاق ينشأ عن عدم تقدير أحد الزوجين لمتاعب الآخر ، أو عدم إنصاف حقوق شريكه .
ولا نستطيع أن نعدد العوامل الرئيسة في تهيئة البيت السعيد دون أن نذكر العفة بإجلال وخشوع ، فإنها محور الحياة الكريمة ، وأصل الخير في علاقات الإنسان .
وقد كتب أحد علماء الاجتماع يقول : " لقد دلتني التجربة على أن أفضل شعار يمكن أن يتخذه الأزواج لتفادي الشقاق ، هو أنه لا يوجد حريق يتعذر إطفاؤه عند بدء اشتعاله بفنجان من ماء .. ذلك لأن أكثر الخلافات الزوجية التي تنتهي بالطلاق ترجع إلى أشياء تافهة تتطور تدريجياً حتى يتعذر إصلاحها " .
وتقع المسؤولية في خلق السعادة البيتية على الوالدين ، فكثيراً ما يهدم البيت لسان لاذع ، أو طبع حاد يسرع إلى الخصام ، وكثيراً ما يهدم أركان السعادة البيتية حب التسلط أو عدم الإخلاص من قبل أحد الوالدين وأمور صغيرة في المبنى عظيمة في المعنى . وهاك بعضاً من تلك الوصايا التي تسهم في إسعاد زوجك .
1. لا تُهنْ زوجتك ، فإن أي إهانة توجهها إليها ، تظل راسخة في قلبها وعقلها . وأخطر الإهانات التي لا تستطيع زوجتك أن تغفرها لك بقلبها ، حتى ولو غفرتها لك بلسانها ، هي أن تنفعل فتضر بها ، أو تشتمها أو تلعن أباها أو أمها ، أو تتهمها في عرضها .
2. أحسِنْ معاملتك لزوجتك تُحسنْ إليك . أشعرها أنك تفضلها على نفسك ، وأنك حريص على إسعادها ، ومحافظ على صحتها ، ومضحٍّ من أجلها ،إن مرضتْ مثلاً ، بما أنت عليه قادر .
3. تذكر أن زوجتك تحب أن تجلس لتتحدث معها وإليها في كل ما يخطر ببالك من شؤون. لا تعد إلى بيتك مقطب الوجه عابس المحيا ، صامتا أخرسا ، فإن ذلك يثير فيها القلق والشكوك .!
4. لا تفرض على زوجتك اهتماماتك الشخصية المتعلقة بثقافتك أو تخصصك ، فإن كنت أستاذا في الفلك مثلا فلا تتوقع أن يكون لها نفس اهتمامك بالنجوم والأفلاك !!
5. كن مستقيما في حياتك ، تكن هي كذلك . ففي الأثر : " عفوا تعف نساؤكم " رواه الطبراني . وحذار من أن تمدن عينيك إلى ما لا يحل لك ، سواء كان ذلك في طريق أو أمام شاشة التلفاز ، وما أسوأ ما أتت به الفضائيات من مشاكل زوجية !!
6. إياك إياك أن تثير غيرة زوجتك ، بأن تذكِّرها من حين لآخر أنك مقدم على الزواج من أخرى ، أو تبدي إعجابك بإحدى النساء ، فإن ذلك يطعن في قلبها في الصميم ، ويقلب مودتها إلى موج من القلق والشكوك والظنون . وكثيرا ما تتظاهر تلك المشاعر بأعراض جسدية مختلفة ، من صداع إلى آلام هنا وهناك ، فإذا بالزوج يأخذ زوجته من طبيب إلى طبيب !!
7. لا تذكِّر زوجتك بعيوب صدرت منها في مواقف معينة ، ولا تعـيِّرها بتلك الأخطاء والمعايب ، وخاصة أمام الآخرين .
8. عدِّل سلوكك من حين لآخر ، فليس المطلوب فقط أن تقوم زوجتك بتعديل سلوكها، وتستمر أنت متشبثا بما أنت عليه ، وتجنب ما يثير غيظ زوجتك ولو كان مزاحا .
9. اكتسب من صفات زوجتك الحميدة ، فكم من الرجال ازداد التزاما بدينه حين رأى تمسك زوجته بقيمها الدينية والأخلاقية ، وما يصدر عنها من تصرفات سامية .
10. الزم الهدوء ولا تغضب فالغضب أساس الشحناء والتباغض . وإن أخطأت تجاه زوجتك فاعتذر إليها . لا تنم ليلتك وأنت غاضب منها وهي حزينة باكية . تذكَّر أن ما غضبْتَ منه – في أكثر الأحوال – أمر تافه لا يستحق تعكير صفو حياتكما الزوجية ، ولا يحتاج إلى كل ذلك الانفعال . استعذ بالله من الشيطان الرجيم ، وهدئ ثورتك ، وتذكر أن ما بينك وبين زوجتك من روابط ومحبة أسمى بكثير من أن تدنسه لحظة غضب عابرة ، أو ثورة انفعال طارئة .
11. امنح زوجتك الثقة بنفسها . لا تجعلها تابعة تدور في مجرَّتك وخادمة منفِّذةً لأوامرك . بل شجِّعها على أن يكون لها كيانها وتفكيرها وقرارها . استشرها في كل أمورك ، وحاورها ولكن بالتي هي أحسن . خذ بقرارها عندما تعلم أنه الأصوب ، وأخبرها بذلك وإن خالفتها الرأي فاصرفها إلى رأيك برفق ولباقة .
12. أثن على زوجتك عندما تقوم بعمل يستحق الثناء ، فالرسول e يقول : " من لم يشكر الناس لم يشكر الله " رواه الترمذي .
13. توقف عن توجيه التجريح والتوبيخ ، ولا تقارنها بغيرها من قريباتك اللاتي تعجب بهن وتريدها أن تتخذهن مُثُلاً عليا تجري في أذيالهن ، وتلهث في أعقابهن .
14. حاول أن توفر لها الإمكانات التي تشجعها على المثابرة وتحصيل المعارف . فإن كانت تبتغي الحصول على شهادة في فرع من فروع المعرفة فيسِّرْ لها ذلك ، طالما أن ذلك الأمر لا يتعارض مع مبادئ الدين ، ولا يشغلها عن التزاماتها الزوجية والبيتية . وتجاوبْ مع ما تحرزه زوجتك من نجاح فيما تقوم به .
15. أنصتْ إلى زوجتك باهتمام ، فإن ذلك يعمل على تخليصها مما ران عليها من هموم ومكبوتات ، وتحاشى الإثارة والتكذيب ، ولكن هناك من النساء من لا تستطيع التوقف عن الكلام ، أو تصبُّ حديثها على ذم أهلك أو أقربائك ، فعليك حينئذ أن تعامل الأمر بالحكمة والموعظة الحسنة .
16. أشعر زوجتك بأنها في مأمن من أي خطر ، وأنك لا يمكن أن تفرط فيها ، أو أن تنفصل عنها .
17. أشعر زوجتك أنك كفيلٌ برعايتها اقتصاديا مهما كانت ميسورة الحال . لا تطمع في مالٍ ورثتْـهُ عن أبيها ، فلا يحلُّ لك شرعاً أن تستولي على أموالها .
ولا تبخل عليها بحجة أنها ثرية ، فمهما كانت غنية في حاجة نفسية إلى الشعور بأنك البديل الحقيقي لأبيها .
18.حذار من العلاقات الاجتماعية غير المباحة . فكثير من خراب البيوت الزوجية منشؤه تلك العلاقات .
19. وائم بين حبك لزوجك وحبك لوالديك وأهلك ، فلا يطغى جانب على جانب ، ولا يسيطر حب على حساب حب آخر . فأعط كل ذي حق حقه بالحسنى ، والقسطاس المستقيم
20.كن لزوجك كما تحب أن تكونَ هي لك في كل ميادين الحياة ، فإنها تحب منك كما تحب منها . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي
21 . أعطها قسطا وافرا وحظا يسيرا من الترفيه خارج المنزل ، كلون من ألوان التغيير ، وخاصة قبل أن يكون لها أطفال تشغل نفسها بهم .
22. شاركها وجدانيا فيما تحب أن تشاركك فيه ، فزر أهلها وحافظ على علاقة كلها مودة واحترام تجاه أهلها .
23. لا تجعلها تغار من عملك بانشغالك به أكثر من اللازم ، ولا تجعله يستأثر بكل وقتك، وخاصة في إجازة الأسبوع ، فلا تحرمها منك في وقت الإجازة سواء كان ذلك في البيت أم خارجه ، حتى لا تشعر بالملل والسآمة .
24. إذا خرجت من البيت فودعها بابتسامة وطلب الدعاء . وإذا دخلت فلا تفاجئها حتى تكون متأهبة للقائك ، ولئلا تكون على حال لا تحب أن تراها عليها ، وخاصة إن كنت قادما من السفر .
25. انظر معها إلى الحياة من منظار واحد ..وقد أوصى رسول الله e بالنساء بقوله:" أرفق بالقوارير " [1] وقوله : " إنما النساء شقائق الرجال " [2] و قوله : " استوصوا بالنساء خيرا " [3]
26. حاول أن تساعد زوجك في بعض أعمالها المنزلية ، فلقد بلغ من حسن معاشرة الرسول e لنسائه التبرع بمساعدتهن في واجباتهن المنزلية . قالت عائشة رضي الله عنها :
" كان e يكون في مهنة أهله –يعني خدمة أهله– فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة " [4]
27. حاول أن تغض الطرف عن بعض نقائص زوجتك ، وتذكر ما لها من محاسن ومكارم تغطي هذا النقص لقوله e فيما رواه مسلم " لا يفرك ( أي لا يبغض ) مؤمنٌ مؤمنة إن كرِهَ منها خُلُقاً رضي منها آخر " .
28. على الزوج أن يلاطف زوجته ويداعبها ، وتأس برسول الله e في ذلك : " فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ؟ " [5] . وحتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه – وهو القوي الشديد الجاد في حكمه – كان يقول : " ينبغي للرجل أن يكون في أهله كالصبي ( أي في الأنس والسهولة ) فإن كان في القوم كان رجلا " .
29. استمع إلى نقد زوجتك بصدر رحب ، فقد كان نساء النبي e يراجعنه في الرأي ، فلا يغضب منهن .
30 . أحسن إلى زوجتك وأولادك ، فالرسول e يقول : " خيركم خيركم لأهله " [6] . فإن أنت أحسنت إليهم أحسنوا إليك ، وبدلوا حياتك التعيسة سعادة وهناء . لا تبخل على زوجك ونفسك وأولادك ، وأنفق بالمعروف ، فإنفاقك على أهلك صدقة . قال e : " أفضل الدنانير دينار تنفقه على أهلك … " [7] .

[1] رواه أحمد في مسنده
[2] رواه أحمد في مسنده
[3] رواه البخاري
[4] رواه البخاري
[5] رواه البخاري
[6] رواه الترمذي
[7] رواه مسلم وأحمد

د/جمال باصهي
25-08-2001, 12:23 PM
كيف يحقق الاسلام الصحة النفسية


يحقق منهج الاسلام أركان الصحة النفسية في بناء شخصية المسلم بتنمية هذه الصفات الأساسية :
1- قوة الصلة بالله:
وهي أمر أساسي في بناء المسلم في المراحل الاولى من عمره حتى تكون حياته خالية من القلق والاضطرابات النفسية .. وتتم تقوية الصلة بالله بتنفيذ ماجاء في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عباس :
"يا غُلامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ ، إذَا سَألْتَ فاسألِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ , وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ " رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي زيادة "احْفَظِ اللَّهَ تَجدْهُ أمامَكَ ، تَعَرَّفْ إلى اللّه في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ ، وَاعْلَمْ أنَّ ما أخْطأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً"
الى رقم 2 | عودة الى أعلى الصفحة
*******
2- الثبات والتوازن الانفعالي :
الايمان بالله يشيع في القلب الطمأنينة والثبات والاتزان ويقي المسلم من عوامل القلق والخوف والاضطراب ...
قال تعالى :
" يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ "
"فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ "
"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ"
الى رقم 3 | عودة الى أعلى الصفحة
*******
3- الصبر عند الشدائد :
يربي الاسلام في المؤمن روح الصبر عند البلاء عندما يتذكر قوله تعالى :
"وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ"
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له"
الى رقم 4 | عودة الى أعلى الصفحة
*******
4- المرونة في مواجهة الواقع :
وهي من أهم مايحصن الانسان من القلق او الاضطراب حين يتدبر قوله تعالى:
"وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"
الى رقم 5 | عودة الى أعلى الصفحة
*******
5- التفاؤل وعدم اليأس :
فالمؤمن متفائل دائما لا يتطرق اليأس الى نفسه فقد قال تعالى :
"وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون"
ويطمئن الله المؤمنين بأنه دائماً معهم , اذا سألوه فإنه قريب منهم ويجيبهم اذا دعوه :
"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"
وهذه قمة الأمن النفسي للانسان .
الى رقم 6 | عودة الى أعلى الصفحة
*******
6- توافق المسلم مع نفسه :
حيث انفرد الاسلام بأن جعل سن التكليف هو سن البلوغ للمسلم وهذه السن تأتي في الغالب مبكرة عن سن الرشد الاجتماعي الذي تقرره النظم الوضعية وبذلك يبدأ المسلم حياته العملية وهو يحمل رصيداً مناسباً من الأسس النفسية السليمة التي تمكنه من التحكم والسيطرة على نزعاته وغرائزه وتمنحه درجة عالية من الرضا عن نفسه بفضل الايمان والتربية الدينية الصحيحة التي توقظ ضميره وتقوي صلته بالله .
الى رقم 7 | عودة الى أعلى الصفحة
*******
7- توافق المسلم مع الآخرين :
الحياة بين المسلمين حياة تعاون على البر والتقوى ,
والتسامح هو الطريق الذي يزيد المودة بينهم ويبعد البغضاء ,
وكظم الغيظ والعفو عن الناس دليل على تقوى الله وقوة التوازن النفسي :
"وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيم"
المصدر: الحصن للصحه النفسيه
د. عبداللاه بن مطرف

د/جمال باصهي
02-09-2001, 10:08 AM
خــنـاق الـنــوم


مـرض " خناق النوم " مشكلة صحية خطيرة تُصيب أعدادا كبيرة من الناس ، ولا يُشخص من هـذه الحـالات إلا 5 % فقط

الشخير المستمر أهم أعراضه ، والسمنة المفرطة أهـم أسـبابه

المـوت المفاجئ وارتفاع ضغط الدم واضطرابات القلب والتنفس والإغماء والضعف الجنسي والصداع المزمن ،

كلها تحدث نتيجة مرض " خناق النوم "

الحوادث الممـيتة للسيارات وكافة وسائل النقل الأخرى قد تكون بسبب هذا المرض

طبيعة المرض

( يأتي من حيث لا تدري )

يبدأ هذا المرض تدريجيا وعلى مدى سنوات تتسم بالتدهور الصحي البطيء بحيث لا يشعر المريض بما يحصل لديـه الشخير العالي - والذي أشبه ما يكون بخوار البقر أثناء النوم - يصبح عادة مُميزة لهذا الشخص تصل إلى مضايقة وإزعاج الآخرين لدرجة الهروب من الغرفة أو المكان المتواجد فيه المريض نائما

وبعد الاستغراق في النوم ينغلق مجرى الهواء في الحنجرة تدريجيا حتى يُقفل تماما. ثم تقل نسبة الأكسجين في الدم وتزداد نسبة ثاني أُكسيد الكربون إلى درجة حرجة جدا؛ مما يؤدي إلى تنبيه مركز النوم واليقظة في المخ فيصحو المريض مذعورا وكأنه مخنوق تماما ويسعل ثم يستأنف تنفسه الطبيعي ويعاود النوم مرة أخرى . تتكرر هذه الأحداث في الليلة الواحدة عشرات أو حتى مئات المرات ، بعضها يشعر بها المريض لكن أكثرها لا يصل حد الاستيقاظ التام . في الصباح يصحو المريض مُصابا بالصداع والخمول والإرهاق الجُسماني وكأنه كان ساهرا طول ليلته لم ينعم بلحظة نوم

في أثناء النهار يغلُبه النعاس في أي لحظة هدوء ، أثناء الانتظار ، أمام التلفاز ، وفي السيارة ، أخطرها عندما يكون في حالة تستدعي الانتباه الكامل كقيادة السيارة أو تشغيل الآلات الميكانيكية الخطـرة

تاريخ المرض

( مرض جديد قـديم )

هـذا المرض ليـس جـديدا ولكن لـم تتحـدد سـماته إلا حديثاً حيث دُرست طُـرق تشـخيصه وعـلاجـه وانتشرت معامل للنـوم في أماكن كثيرة من العالم لدراسة هـذه الظاهـرة وبـدأت المستشـفيات أخيرا تهيئ مخـتبرات خاصـة لتشـخيص مرض " متلازمة توقف التنفس النومي ".Obstructive Sleep Apnea Syndrome .

الإحصائيات

وقـد اتضح للعلمـاء والـباحثين أنَّ نسـبة انتشار هذا المرض أكبر بكثير مما كان متوقعا ، إذ تُقـدر الإصابات بين متوسطي الأعمار من الرجال بـ 4% وفي النساء بـ 2% وتـزداد هـذه النسبة في بعض فئات المجتمع حيث بلغت إحصائيات هذا المرض بين سائقي الشاحنات في بعض الدول إلى نسبة مهـولة تصل إلى 46%

تشخيص المرض

وعلى الرغم من خطورة هذا المرض على الفرد والمجتمع فإن التشخيص الصحيح لا يتم في أغلب الحالات إلا بعد أن يتقدم المرض كثيرا وقد لا يحصل التشخيص مُطلقا . وتُقدر نسبة الحالات التي يتم التعرُف عليها طبيا فقط 5-10% من مجمل الحالات

ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة المرض التدريجية بحيث لا يشعُر المريض بما يحصل له . ومن الطريف أنه في أحيان كثيرة تبدأ الشكوى من أقارب المريض كالزوج أو الزوجة أو الأبناء المقيمين في نفس المنزل ، وليس من المريض نفسه

ولكن السبب الرئيسي للسهو عن تشخيص الحالات هو عدم إلمام الأطباء (وخاصة الأطباء العامين ) بهذه المشكلة حيث يُعالج المريض من أعراضها كارتفاع الضغط وصعوبة التنفس والضعف الجنسي ، كل عرض يُعالج بمفرده ولكن الصورة العامة للمرض ككل تغيب عن ذهـن الطبيب ، فيظل المريض يتردد على عُـدة تخصصات طبية لمدة قد تصل إلىسنوات قبل أن يتم التعرُف على المشكلة الأساسية وعلاجها . ولدى توفر أعراض هذا المرض يقوم الطبيب بعمل الفحص السريري والتحاليل المخبرية الضرورية وأهمها قياس تركيز الأكسجين أثناء النوم . فإذا انحدر إلى مستويات غير طبيعية ثم تحسن بعد الاستيقاظ فإنه يُعتبر مؤشر على تواجد مرض خناق النوم . ويبقى بعد ذلك عمل دراسة متكاملة للنوم لدى المريض وذلك بإدخاله في مختبر النوم حيث يتم قياس مؤشرات عديدة أثناء النوم ، منها ميكانيكية التنفس ومراحل الـنوم وحـركـة العـين وتركـيز الأكسيجين ، يـتم بعـدها تحـديد نوعـية المشـكلة ودرجة خطورتهـا

العـلاج

( إذا عُرف السبب بطل العجب )

بعـد التأكد من التشخيص يتم العلاج على عـدة محاور

معالجـة أي أمـراض مُصاحبـة ، مـثل كسـل الغـدة الدرقـيـة وداء السكري والربو وغيرهـاالعلاج الطـبي : وذلك بتحديد حمية غذائية لتخفيف الوزن ، ولكن التخلص من السمنة قد يكون صعبا وقـد لا يحل المشكلة كليا . ويجب على المريض الابتعاد عن المهدئات والأدوية المساعدة للنوم حيث أنَّ هذه العقاقير تزيد " الطين بله " ، كما يلزم الامتناع عن التدخين

وتُساعد الأدوية مزيلـة الاحتقان بفتح مجاري التنفس العُليا . كما يمكن الاستعمال المؤقت للعلاجات الحاضة على التنفس

توسيع مجرى التنفس : وذلك باستعمال جهاز كهربائي صغير لفتح الهواء في مجاري التنفس خلال كمامة مطابقة للفم أثناء النوم (CPAP , BiPAP System ) وتُعتبر هذه الطريقة أنجع الطرق العلاجية في الوقت الحاضر. تصل إلى تسعين في المائة ، إلا أنَّ نسبة قليلة من المرضى لا يتمكن من استعمالها لأسباب عـديدة

وبدأت بعض الشركات الطبية تـنتج أدوات بلاستيكية بسيطة لتثبيت اللسان للاحتفاظ بمجرى الهواء مفتوحا أثناء النوم ولكنها لا زالت في طور التجربـة

العـلاج الجـراحي

وذلك يتمثل في ما يلـي

تعـديل الحاجـز الأنـفي إذا كان مائلا

إزالة اللحميات والزوائد اللحمية من الأنف إن وجدت

إزالة اللـوزتين المتضخمـتين

تعديل أي تشوهات خلقية أو مكتسبة بالفم أو الفكين تُعيق التنفس

وأيضاً الجراحة المكثفة لمجرى التنفس العلوي بتوسيع ممر الهواء وهذه العملية تفيد في 50% من الحالات فقط وينصح بها عند فشل المعالجة بجهاز ضخ الهواء

وأخيرا

فإنّ الشخير أثناء النوم ليس ظاهرة خطرة في كل الأحيان . إذ أنه يحدث لدى 45% من الأصحاء البالغين من وقت لآخر (دون أن يكون له أي تبعات مرضية خصوصا إذا كان الشخص مصابا بالزكام أو حساسية الأنف ) .

وهناك فئة من الناس لديهم ظاهـرة الشخير الاعتيادي (25% من الرجال و 20% من النساء ) يزيد مع تقدم العمر ، والسمنة واستعمال العقاقير المنومة . وتدل الإحصائيات أنَّ مرض خناق النوم يكثُر بين هذه الفئة بمعدل يتراوح بين 35-65% من الحالات

وينصح كل معني بهذه المشكلة أن يتقدم بطلب العناية الطبية وبصورة عاجلة لدى توفر المتلازمة المكونة من

( شـخير ليلـي مستمر - اضطرابات في النوم - نُعاس شـديد أثناء النهــار )

البداية
مكافحة الأرق

واضطرابات النوم بالاسترخاء

يعاني معظم الناس من درجة معينة من الأرق والصعوبة في النوم بمرحلة ما من حياتهم . ويتسم الأرق بالعجز عن النوم وغم الذهاب إلى السرير وإطفاء الأضواء ،وبقاء الدماغ مشغولا في قضية ما .كما يتسم بالنوم في فترة متأخرة من الليل والاستيقاظ في ظهيرة اليوم التالي أو في ساعات الصباح المتأخرة . وهذا من شانه أن يؤثر بشكل كبير على مجرى حياة الإنسان وتركيزه وعلاقاته في عمله وطبيعة معاملته مع الناس الآخرين إضافة إلى اضطراب إنتاجيته

لذا ينصح الأطباء بممارسة الاسترخاء ورياضة " اليوغا " بشكل يومي قبل الذهاب إلى السرير ،كما ينصح بأخذ بعض السوائل الحارة التي تحتوي على الأعشاب غير المنبهة ، أو الزيوت المساعدة على الاسترخاء

وتشمل التمارين التي تساعد على تجاوز الأرق ما يلي

الثبات في وضعية الوقوف أو القرفصاء لمدة 10إالى 15دقيقة قبل الذهاب إلى النوم

رفع اليدين فوق الرأس بوضعية التلاقي والضغط على راحتي اليد باعتدال ، يستمر هذا التمرين لمدة 5دقائق. بعد ذلك محاولة التحديق بضوء احمر خافت والأفضل من ذلك بضوء أزرق .ويفضل الاستعانة بساعة ميقاتية مقابلة للضوء . وينصح بالتركيز على حركة النواس في الميقاتية والتركيز عليه دون التفكير بأي شئ آخر

التسطح أو التمدد على السرير و ترديد كلمات مثل "أنا بحاجة إلى الراحة والنوم"

قراءة الأدعية الواردة قبيل النوم ، وترديدها أو قراءة القرآن الكريم

بنود النوم الصحي : تتبع لاحقاً

نصائح لنوم صحي سليم

النوم عملية طبيعية نقوم بها كل ليلة. وحيث أن البشر ليسوا سواءً؛ فإن بعض الناس يخلد إلى النوم وقتما وأينما يشاء، في حين أن البعض الآخر يجد صعوبة في النوم، وعندما ينام فهو لا ينعم بالراحة ولا يستعيد نشاطه وهناك أسلوب حياة معين وعادات غذائية معينة، إضافة إلى السلوك الفردي تساعد على النوم السليم، حيث أن هذه العوامل بإمكانها التأثير إيجاباً على النوم السليم كماً ونوعاً. وحديثنا هنا سيقتصر على النواحي السلوكية في العلاج، ولن نتطرق للاضطرابات العضوية

هناك اعتقادات خاطئة حول النوم يجب توضيحها. يحتاج الشخص العادي من أربع إلى تسع ساعات للنوم كل 24 ساعة للشعور بالنشاط في اليوم التالي. وعلى كل الأحوال فإن عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان تختلف من شخص إلى آخر، فالكثيرون يعتقدون بأنهم يحتاجون إلى ثمان ساعات نوم يومياً، وأنه كلما زادوا من عدد ساعات النوم كلما كان ذلك صحياً أكثر، وهذا اعتقاد خاطئ. فعلى سبيل المثال إذا كنت تنام لمدة خمس ساعات فقط بالليل وتشعر بالنشاط في اليوم التالي فإنك لا تعاني من مشاكل في النوم. البعض الآخر يعزي قصور أداءه وفشله في بعض الأمور الحياتية إلى النقص في النوم، مما يؤدي إلى الإفراط في التركيز على النوم، وهذا التركيز يمنع صاحبه من الحصول على نوم مريح بالليل ويدخله في دائرة مغلقة. لذلك يجب التمييز بين قصور الأداء الناتج عن نقص النوم وقصور الأداء الناتج عن أمور أخرى، كزيادة الضغوط في العمل وعدم القدرة على التعامل مع زيادة التوتر وغيره

و فيما يلي بعض النصائح لمن يواجهون مشاكل نقص النوم وذلك لتحسين نومهم (بعد استبعاد الأسباب العضوية

أخلد إلى السرير فقط عندما تشعر بالنعاس

استخدم السرير للنوم فقط

اقرأ ورد (دعاء) النوم كل ليل

× إذا شعرت بعدم القدرة على النوم، فانهض واذهب إلى غرفة أخرى ولا تعود لغرفة النوم إلى أن تشعر بالنعاس، عندها فقط عد إلى السرير. إذا لم تستطع النوم غادر غرفة النوم مرة أخرى. الهدف من هذه العملية هو الربط ما بين السرير والنوم ، ويجب الإدراك أن محاولة إجبار النفس على النوم عند عدم الشعور بالنعاس ينتج عنه الانزعاج والتذمر أكثر من كونه ينفع النوم. فاختصار الوقت في السرير يحسن نومك، في حين أن الإفراط في الوقت في السرير ينتج عنه نوم متقطع

× أعد الخطوة أعلاه كلما دعت الحاجة طوال الليل. قد تضطر خلال الليلة الأولى إلى النهوض من خمس إلى عشر مرات أي أنك لن تنال قسطاً كافياً من النوم. ولكن زيادة الحرمان من النوم في الليالي الأولى يسهل الاستغراق في النوم فيما بعد. وباستخدام الطريقة السابقة والالتزام بها، عادة ما يعود النوم إلى طبيعته خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، وقد أوضحت الدراسات العلمية فعالية هذا الأسلوب في العلاج

× استخدم ساعة المنبه واستيقظ في نفس الوقت صباح كل يوم، بغض النظر عن عدد الساعات التي قد نمتها في الليل. حاول المحافظة على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة خلال أيام الأسبوع، وكذلك في عطلة نهاية الأسبوع

× يطالب العديد من المعالجين المرضى المصابين بالأرق بعدم أخذ أي غفوة خلال النهار، وهذا الموضوع يحتاج إلى شئ من التفصيل. ففي حين أن بعض الناس لا ينامون بشكل جيد أثناء الليل عندما يغفون خلال النهار، نجد أن آخرين ينامون بشكل أفضل خلال الليل. لذلك كن طبيب نفسك، وأفعل ما هو أفضل لك دون الأخذ بالاعتبار ما يقوله الآخرون، فمثلاً جرّب أن تغفو لمدة أسبوع، وتجنب أي غفوة خلال الأسبوع الذي يليه وحدد بنفسك في أي وقت كان نومك أفضل والغفوة خلال النهار يفضل أن تكون بين صلاة الظهر والعصر، ولا تتجاوز فترة النوم (30-45) دقيقة

إذا كنت من الناس اللذين تراودهم الأفكار والهواجس عندما يخلدون إلى النوم ولا تستطيع إيقاف تلك الأفكار، أو أنك تبدأ بالتفكير بجدول عمل اليوم التالي، فقد يكون الحل لك هو (وقت إزالة القلق)، وذلك بتحديد وقت ثابت كل يوم (حوالي 30 دقيقة) وتصفية جميع الأمور المقلقة باستخدام ورقة وقلم. اتباع ذلك سوف يسمح لك بالذهاب إلى الفراش بفكر صافٍ ومستريح

تجنب إجبار نفسك على النوم، فالنوم لا يأتي بالقوة. بدلاً عن ذلك ركز على عمل شئ هادئ يريح بالك كالقراءة أو مشاهدة التلفزيون أو سماع الموسيقى (إذا كنت من هواة سماع الموسيقى) وذلك لتشجيع الاسترخاء ومن ثم النوم.فالإنسان الذي يستمر في العمل حتى وقت نومه عادة ما يجد صعوبة في النوم لأن جسمه لم يأخذ حاجته من الاسترخاء الذي عادة ما يسبق النوم

× الدراسات العلمية أثبتت أن الرياضيين ينامون بشكل أفضل من الذين لا يمارسون الرياضة، فالتمارين العادية قد تشجع على النوم . ووقت ممارسة الرياضة ذو أهمية قصوى بالنسبة للنوم، فبداية الدخول في النوم يصاحبها انخفاض في درجة حرارة الجسم، بينما الرياضة تزيد من درجة الحرارة الجسم؛ لذلك يفضل أن يكون التمرين الرياضي قبل وقت النوم على الأقل بثلاث إلى أربع ساعات. ومما يشجع النوم أيضاً قضاء 20 دقيقة في حمام ساخن قبل النوم بساعات قليلة (ساعتان إلى ثلاث ساعات

جو غرفة النوم

v يؤثر جو غرفة النوم على النوم بدرجة كبيرة، فدرجة الحرارة المرتفعة أو المنخفضة جداً تؤثر سلباً على نوعية النوم، لذلك يجب تعديل درجة حرارة الغرفة لتكون مناسبة

v ينتج عن الضوضاء العالية المتقطعة نومٌ خفيف متقطع لا يساعد الجسم على استعادة نشاطه ولا يمنحه الفرصة للحصول على مراحل النوم العميق. يمكن التخلص من هذه الضوضاء بما يسمى "الضوضاء البيضاء" وهي أن يكون في الخلفية صوت ثابت الشدة ومتواصل كصوت مروحة أو جهاز التكييف

كما أن الضوء القوي في غرفة النوم من العوامل التي تؤثر على النوم. لذلك يفضل أن يكون ضوء غرفة النوم خافتاً

تجنب النظر المتكرر إلى ساعة المنبه، لأن ذلك قد يزيد التوتر ومن ثم الأرق، وتجنب استخدام الساعات التي تضئ بالليل

الطعام والشراب

يجب تجنب تناول الوجبات الغذائية الثقيلة قبل موعد النوم بحوالي 3-4 ساعات، حيث أنه من الثابت أن تناول الوجبات الثقيلة في أي وقت من النهار يؤثر سلباً على جودة النوم

v يمكن لوجبة خفيفة قبل موعد النوم أن تشجع النوم

تجنب تناول المشروبات الكحولية. إن تناول الكحول قد يؤدي إلى النوم مبدئياً؛ ولكنه من المثبت علمياً أنه ما إن يبدأ الجسم في التفاعل مع المادة الكحولية فإن ذلك يؤدي إلى التقطع في النوم والأرق الشديد، كما أن المواد الكحولية تزيد من فرص الاختناق (الانقطاع في التنفس) أثناء النو

جميع أنواع المشروبات التي تحتوي على كافيين تؤثر سلباً على النوم، خاصة إذا تم تناولها في فترة المساء أو قبل موعد النوم. وقد أثبتت الدراسات أن الكافيين يسبب الأرق حتى عند أولئك الذين يدّعون أنه لا يؤثر على نومهم

كما أن النيكوتين هو أحد أنواع المنبهات، فتدخين السيجارة يؤدي إلى نوم متقطع

مع تمنياتنا لكم بنوم مريح وأحلام سعيدة

الدكتور أحمد سالم باهمام

استاذ الامراض الصدرية و اضطرابات النوم المساعد كلية الطب جامعة الملك سعود

والاستشاري غير المتفرغ بمركز اضطرابات النوم بدار العرب الطبية ، الرياض

د/جمال باصهي
02-09-2001, 10:12 AM
أسباب القلق وعلاجه

نشهد في هذا العصر حضارة كبرى لم يشهد لها التاريخ مثيلاً جعلت الإنسان يعيش في راحة كبيرة ولكنها (اي تلك الحضارة ) قصرت خدمتها على الجانب الجسدي و أهملت الجانب الروحي الذي يتميز به الإنسان عن غيره من الكائنات ، وكان أحد إفرازات هذا القصور القلق الذي أدى بكثير من الناس خصوصاً في الغرب الى الإنتحار، ولم يجدوا له حلاً غير تلك الحبوب المهد ئة.

وللأسف لقد وجدت أثار هذا القلق في بلاد المسلمين عندما قصر البعض منهم في أمور دينهم وعاشوا بعيداً عن ذكر الله تعالى وطاعته.

وأسباب القلق كثيرة ، لكن نذكر أهمها:

(1) ضعف الإيمان : فالمؤمن قوي الإيمان لايعرف القلق. قال الله تعالى(ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) ، ,ويقوى الإيمان بعمل الطاعات وترك المعاصي وقراءة القرآن وحضور مجالس الصالحين وحبهم والتفكر في خلق الله تعالى.

(2) الخوف على الحياة وعلى الرزق: فهناك من يخاف الموت فيقلق بسبب ذلك ، ولو أيقن أن الآجال بيد الله ماحصل ذلك القلق. والبعض يخاف على الرزق ويصيبه الأرق وكأنه ماقرأ قوله تعالى(إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) ولم يسمع قول الله عز وجل(وما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها ) ، حتى النمل في جحره يرزقه الله تعالى ، ولايعني ذلك أن يجلس الإنسان في بيته ينتظر أن تمطر السماء ذهباً ، بل يسعى وبفعل الأسباب امتثالاً لقوله تعالى(فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) ويتوكل على الله(ومن يتوكل على الله فهو حسبه).

(3) المصائب: من موت قريب أو خسارة مالية أو مرض عضال أو حادث أو غير ذلك ، لكن المؤمن شأنه كله خير إن اصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن اصابته ضراء صبر فكان خيراً وجزاء الصبر أن الله يأجره ويعوضه خيراً مما أصابه. فيجب أن يعلم أن ذلك بقدر الله وقضائه ، وما قدّر الله سيكون لا محالة لو اجتمع أهل الأرض والسماء أن يردوه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. عندما ترسخ هذه العقيدة في نفس الإنسان فإنه يرضى وتكون المصيبة عليه برداً وتكون المحنة منحة ، ولقد شاهدنا أنه كم من مشكلة صارت بإنسان جعلت منه رجلاً قوياً صامداً وعلمته التحمل بعد أن كان في نعمة ورغد لا يتحمل شيئاً وغيرت من نظرته للحياة وأصبح سداً أمام المعضلات.

(4) المعاصي: وهي سبب كل بلاء في الدنيا والآخرة ، وهي سبب مباشر لحدوث القلق والاكتئاب . قال الله تعالى(وماأصابك من سيئة فمن نفسك ) وقال (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ، والبعض يقول: نريد أن نُذهب القلق و(الطفش) فيفعل المعاصي ، لكنه في الحقيقة يزيد الطين بلة وهو كالمستجير من الرمضاء بالنار.

(5) الغفلة عن الآخرة والتعلق بالدنيا : فمن يتفكر ويتصور نعيم الجنة بكل أشكاله فإنه تهون عليه المشاكل وينشرح صدره وينبعث الأمل والتفاؤل عنده.

وأخيراً كيف نتخلص من القلق؟

قال الله تعالى (إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم) ، فالعلاج هو في كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

فخذ هذه الوصفة النافعة ، وجرب وأنت الحكم.

( 1) الصلاة: قال الله تعالى(واستيعنوا بالصبر والصلاة ) وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، ويقول لبلال (أرحنا بالصلاة يابلال) ويقول -جُعلت فداه- (وجعلت قرة عيني في الصلاة ) فما من مسلم يقوم فيصلي بخشوع وتدبر وحضور قلب والتجاء لله تعالى إلا ذهبت همومه وغمومه أدراج الرياح كأن لم تكن ، فالصلاة على أسمها صلة بين العبد وربه.

(2) قراءة القرآن: العلاج لكل داء.قال عز وجل(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) فلنقو صلتنا بهذا الكتاب العظيم ولنتدبر آياته ولا نكن ممن يهجره فهو ربيع القلب ونور الصدر وجلاء الأحزان وذهاب الهموم والغموم.

(3) الدعاء: سلاح المؤمن الذي يتعبد الله به فمن كان له عند الله حاجة فليفزع إلى دعاء من بيد ملكوت كل شئ ومجيب دعوة المضطرين وكاشف السوء الذي تكفل بإجابة الداعي. قال تعالى(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) وليتخير ساعات الإجابة كالثلث الأخير من الليل ، بين الآذان والإقامة.

(4) الذكر: أنيس المستوحشين وبه يُطرد الشيطان وتتنزل الرحمات.

(5) شغل الوقت بالعمل المباح: فإن الفراغ مفسدة ويجلب الأفكار الضارة والقلق وغير ذلك.

أسأله تعالى أن يرزقنا الإيمان الكامل والعمل الصالح ونسأله حياة السعداء وموت الشهداء ، إنه جواد كريم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

د/جمال باصهي
02-09-2001, 10:16 AM
الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام

للدكتور عبد الستار أبو غدة
الكويت
(تمهيد)
الدراسات النفسية في التراث :-

إن من حق التراث علينا أن يكون هو النواة لكل دراسة يراد لها أن تجمع بين الطرف والتليد ، وتربط بين الحاضر والماضي المجيد. ويتأكد هذا في المجالات التي تقتصر معظم الدراسات فيها على ترسم خطى النتاج الحديث مع إغماض الطرف عن الجذور التي تساعد على تحقيق الانتماء إلى هذه الأمة في دينها وعلومها وتطبيقاتها على مدى العصور.. حتى سيطرت الهجانة على معظم مقولات العلوم وبلغ الأمر أن يزعم البعض أنه ليس في التراث مواقف تاريخية مدونة تجاه الأمراض النفسية ، وقد أتى هؤلاء من تغاير الأسماء ، وهولا يؤثر على حقيقة المسميات ، كما غفلوا عن أن علوما معروفة قد استضافت حقائق هذا العلم ، فضلا عن شواهد التاريخ التي تدحض هذه الدعوى ، وأحدها تلك البيمارستانات التي أسست لرعاية المرضى عموما، وبخاصة من جهلت علته أو استعصت على الشفاء أو استطال زمنها. وبعضها يرجع إلى عشرة قرون خلت، وفي صكوك وقفها وسجلات إدارتها نمط عجيب من الرعاية والاهتمام، ولا مجال للتوسع في ذلك بل هي لفتة للموازنة بما هو معروف من أن علم النفس الحديث لا يزيد عمره عن مائتي عام..

هذا وإن الدراسات النفسية كانت تعتبر جزءا من علم الفلسفة عند اليونان، جريا على تفريع العلوم كلها عن شجرة الفلسفة، وهو ما مشى عليه ابن سينا ومن جاء بعده. على أنه طرأ فيما بعد مزج لطيف بين مقومات كل من علم النفوس والأخلاق والدين ، وكان التصوف هو المحضن الملائم بعد أن جمع مختارات دينية وأخلاقية ونفسية وفلسفية، وظهر هذا في مؤلفات الغزالي المختلفة كإحياء علوم الدين ، وكتاب الأربعين، وميزان العمل.. حتى اعتبر بحق : أول مؤسس لعلم النفس الإسلامي .


أما قبل ذلك فقد اشتملت على بعض المقولات رسائل إخوان الصفا كتطوير لما جاء عند الفلاسفة. وللغزالي نظرة حادة على انتماء علم النفس للفلسفة وهو يعتبر الريادة فيه للمتصوفة على مدى العصور إذ يقول في كتابه " المنقذ من الضلال " وفى وهو يستعرض معارف الفلاسفة وعلومهم:-
القدرة على مواجهة في الأزمات النفسية العادية التي تطرأ على الإنسان ، ويرافقها الإحساس الإيجابي بالسعادة والكفاية، ويكون ذلك عادة بإشباع أكبر قدر من حاجاته الأساسية للأمن والحب وإثبات الذات والإنجاز والنجاح.

ومن المعايير الظاهرة لذلك أن تكون حياة الشخص النفسية خالية من الصراعات النفسية بين النوازع والرغبات أو الاتجاهات في مجال، ما من مجالات حياته، وخالية من العقد النفسية (أو الصراعات اللاشعورية) التي تعوق أداء النفس وكفايتها التفاعلية. وأصل مفهوم الصحة النفسية منبثق عما يسميه علماء الحياة : " تكيف الكائن الحي للبيئة المحيطة به " لكنه هنا (تكيف نفسي) يحكم على من لا يراعيه بأن هناك شكا في صحة حالته النفسية. وقد ازداد الاهتمام بالصحة النفسية حتى غدت علما شبه مستقل موضوعه الاهتمام برفاهية الإنسان وسعادته في جميع نواحي حياته وعلاقاته.

وسن هذا يتبين أن الصحة النفسية ليست هي مجرد الخلو من المرض، فإن هذا الخلو لا يستلزم قدرة الفرد على مواجهة الأزمات العادية، ولا يتبعه الشعور الإيجابي بالسعادة. كذلك ليست هي النتائج الفردية التي هي غاية للسعادة (الفردية) والكفاية ، لأنها لابد أن تصطدم برغبات الآخرين ما لم تكن مشروطة بالسعادة الاجتماعية فإن مراعاة التعامل الاجتماعي واجبة بحيث تتحقق النتائج الفردية إلى جانب الأهداف الاجتماعية.

كذلك (أخيرا) لا يمكن اعتبار الصحة النفسية مجرد العمل لسعادة المجتمع، لأن هذا بدوره لا يحتم سعادة الفرد وكفايته إلا إذا لاحظنا التلازم بين نقص سعادة الأفراد ونقص السعادة للمجتمع بأسره.. وهذه الملاحظة شديدة الشبه بالتصوير للأثر الفردي والجماعي في القيام بفرائض الكفاية من حيث انبثاث النفع للجميع ، أو شمول الإثم لهم كلهم، في حيز ينفرد المبادر للقيام به بالأجر وحسن الذكر..

وقد حان الآن أن نستحضر من التراث المقابل لاصطلاح ( الصحة النفسية) لدى المعنيين بذلك من القدماء ، ولعلنا نجده في إحدى كلمتين هما (الرضا) و (الاعتدال) وهما كلمتان رددهما الغزالي كثيرا في دراساته النفسية ، وهما متصلتان ببعضهما اتصالا وثيقا، أما (الرضا) فهو الانعكاس الداخلي للشخص السوي، وأما (الاعتدال) فهو المظهر الخارجي لسلوكه. وقد قرر الغزالي أن منشأ أكثر الفضائل والرذائل هو من ثلاث قوى: قوة التخيل، وقوة الشهوة، وقوة الغضب، وشرح ما في كل منها من عون للنفس أو تثبيط لها. وبعد بيان طويل مليء بالتدليل والتمثيل والنظائر دعا إلى سلوك الاعتدال قائلا: والمحمود أن تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انبساطها وانقباضها، ومهما أفرطت إحدى هذه القوى فكسرها بوسائل منها شغل النفس بالعلوم واكتساب الفضائل .

أما الرضا فهو نهاية المطاف لمراحل متدرجة تبدأ عند الغزالي بالابتهاج، فالاستبشار، فالارتياح، فالفرح، فالشرح، فالسرور، وأخيرا الرضا. ويفسر ابن تيمية المراد بالرضا بأنه شيئان: الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ، والرضا بالمصائب التي تحل به. وليس من ذلك الرضا بالكفر والفسوق والعصيان مهما سيق ذلك مساق الحرص على التكيف مع البيئة والظروف المحيطة بالشخص (التوافق) بلغة علم النفس الحديث .

ومن الحقائق الإسلامية التي لا تدع مجالا لاتهام الإنسان واستزراعه في الشر والانحراف أن كل مولود يولد على الفطرة ".. وفي الحديث القدسي " إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا..، وأن الإنسان مأمور بتزكية النفس ومحذر من تدنيسها (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (3).

وهذه الأمراض النفسية لها مضاعفاتها المحققة في التصرف والسلوك السلبي والضار.. ولذا كان لابد من المبادرة إلى علاجها بشتى الوسائل.. وعن طبيعة المرض النفسي وحقيقته يقول ابن تيمية: مرض القلب نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته. فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار فلهذا يفسر المرض تارة بالشك والريب وتارة بالشهوة المحظورة.. ولهذا صنف (الخرائطي) كتاب " اعتلال القلوب " أي مرضها وأراد به مرضها بالشهوة.. و (مرض القلب) ألم يحصل في القلب كالغيظ من عدو استولى عليك، وكذلك الشك والجهل يؤلم القلب. ثم يقول عن (الاعتدال) مرض الجسم يكون بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن الاعتدال ، كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال وهي الأهواء التي قال الله فيها (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم له (4) .

وعن (الرضا) نجد لدى عدد من الباحثين المعاصرين شبيه ما قرره الغزالي، إذ يربطون ربطا وثيقا بين (الرضا) وبين كل من الميل والاتجاه والتكيف والروح المعنوية العالية، وبعبارة أخرى: إن استجابة الشخص الأولى نتيجة الميل، وهذا الميل يولد الاتجاه الذي يؤدي بدوره إلى الرضا، والرضا يتفاعل مع البيئة فيستقر الفرد ويتكيف فإذا ما انتشر هذا التكيف أدى إلى ارتفاع الروح المعنوية في الجماعة والتجمع.

وبعد فإنه لا يختلف الأمر قديما أو حديثا ، في أن المرض هو ضد الصحة، وقد تميز الآن بالمفهوم المقابل لمفهوم الصحة النفسية بأية عبارة كانت..

تقسيم الأمراض النفسية :-
إن ما يطلق عليه (الأمراض النفسية) ليس هو الوحيد في ميدان الأحوال الطارئة على فطرة الإنسان ووضعه السوي، فهناك زمر أخرى مشابهة في الدور من حيث إحداث الاختلال وإعدام التوافق أو التكيف.. ومن هنا يؤثر أكثر الكاتبين في دراساتهم أن يتطرقوا إلى (الأمراض العقلية) جنبا إلى جنب مع الأمراض النفسية، بل يضيفون إليهما ما يشكل (نقصا أو تخلفا عقليا) أو ما هو من قبيل الأمراض (السيكوسوماتية أي النفسجسمية) وهي أمراض ذات أعراض تنتج عزل حالات نفسية في حين تأخذ أشكالا بدنية، والاهتمام بها لتلافي تنازع الاختصاص بها لازدواج طبيعتها، وهذا فضلا عن زمرة أخرى لم يتناولها الطب النفسي وحده، بل كانت الغلبة في معالجتها للأخلاق والقانون أحيانا من مثل (انحرافات سمات الشخصية) كالجبن والغضب والخجل، أو (اضطرابات السلوك) كالكذب والسرقة، أو (اضطرابات العادات) لدى الناشئة، وهذا التوسع له ما يسوغه في ظل ما يلحظ من غموض وحيرة في حصر هذه الشرائح ، توزيعها. كما أن بينها قاسما مشتركا يجمعها هو أن موضوعها هو النفس (التي سبق تعريفها بما يميزها عن كل من الروح والجسم) ، كما أنها كلها تجانب الفطرة والحالة السوية الغالبة في الإنسان.

على أن الأجدر بالحديث عنه كمرض يراد علاجه ويؤمل شفاؤه عن قرب، وفقا للأصول ذات الطبيعة النفسية هو ما يطلق عليه (العصاب) وهو كل خلل وظيفي في السلوك لا يكون- بالرغم من إزعاجه- سببا كافيا لإدخال المصاب به إلى مستشفى الأمراض العقلية، وذلك كالقلق والاكتئاب والوسواس والهستيريا.

وقد أنصف عد من الكاتبين في مشكلات الصحة النفسية حين تحاشوا رسم إطار عام لها أو مبادىء عامة مطلقة تصلح للتطبيق في النواحي الإيجابية للصحة النفسية. وأقاموا عذرهم في ذلك على أن المعلومات عن كثير من تلك المشكلات لا تزال غير كافية ، وهو ما جعلهم يقنعون بالتوجيهات المبدئية إلى أن يحظى هذا العلم الحديث بطابع الحصر والتحديد.. كما أشاروا- للتأكيد على موانع الإقدام على تلك المحاولة- إلى التعقيد الذي تتسم به مشكلات الصحة النفسية (إذا أريد تتبعها في الميادين التطبيقية المختلفة) بل إن قاموس أكسفورد لعام 1970 يقول إن مفهوم الأمراض النفسية والعقلية قد اتسع في العقود الأخيرة ليشمل أكثر من حالات التعاسة العادية التي تصاحب حياة الإنسان. كما ذكر أن هناك اتجاها في بعض المجتمعات (التي تحاول التخلص من السمات الأولية للفقر) إلى إلحاق بعض مشاكل الحياة بمصطلح الأمراض النفسية.

ولا حاجة للتنويه في ضوء ما سبق إلى الدور الذي يقوم به العلاج الروحي قاطعا جهيزة هذا الغموض والتردد ، والذي لا يزداد مع الأيام إلا شدة وإمعانا في الاختلاف.
وفيما يلي تسليط بعض الأضواء على أشهر الأمراض النفسية:-

1 - القلق (ANXIETY)
ويسمى في لغة التراث النفسي ويعرف بأنه هو الشعور بالخوف الزائد من شر متوقع، والإحساس بالعجز عن مواجهته. وهذه الحالة النفسية المرضية تتميز بعدم الرضا وعدم التأكد وبالاضطراب، وتنجم عن الخوف لكنه خوف مما يمكن أن يقع غالبا، أو مما كان قد وقع، أكثر منه خوفا من أوضاع مخيفة واضحة.

والتسمية بالحصار تذكر بالحالة النفسية التي تتصف بها بعض الفئات الضعيفة التي تلوذ بالحياد بدلا من الانتماء واختيار جبهة معينة فتعيش في قلق بسبب هذا الموقف المضطرب. قال الله تعالى في شأن من لم تتح لهم ظروفهم أن يهاجروا ليعيشوا حياة دار الإسلام (أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) (5) ويسمى هذا النوع (الحزن) بفتح الزاي ، إذا كان خوفا لشر متوقع وله حقيقة. أي يخشى وقوعه، فإن كان الشر قد وقع في السابق فإن أثره يسمى (الهم) ولذا جاءت الاستعاذة النبوية تجمع بينهما في جملة واحدة (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)..أي من قلق ينشأ عن أمور ماضية لا يزال المرء يجش في ظل مخاوفها كالمصائب، أو ما ينشأ من أمور مستقبلية كالوعيد والتهديد أو الخطر المتوهم.

ولعل مما يوجه الأبصار صوب العلاج الروحي ما لهذا المرض النفسي من جوانب متباينة بعضها منشؤه شعوري كالخوف أو الإحساس بالذنب أو مشاعر التهديد وبعضها لا شعوري ينشأ عن عمليات معقدة تعمل دون وعي، فلا سبيل إلى إدراك العوامل الباعثة، وإذا كان بعضه موضوعيا يمكن وضع اليد عليه لأنه منوط بخطر خارجي أو أذى متوقع فإن البعض الآخر عام غامض لا يرتبط بأي موضوع محدد، ولهذا يعبر عنه المختصون بأنه حالة من التوتر الشامل الذي ينشأ خلال صراعات الدوافع ومحاولات الفرد للتكيف، وهو مظهر للعمليات الانفعالية المتداخلة التي تحدث خلال الصراع أو الإحباط.

2- الاكتئاب (DEPRESSION):-
وهي حالة انفعالية تكون فيها الفاعلية النفسية الجسدية منخفضة وغير سارة، وقد تكون سوية أو مرضية وتشير المرضية منها إلى اليأس والشعور الساحق بالتفاهة. وبعبارة أخرى هو: فقد الاهتمام بالأشياء والعجز عن التركيز وإن بعض الحالات، المبالغ فيها قد تتميز بالشعور بالعجز والميل إلى التخلص من الحياة.. والاكتئاب إذا زاد تحول إلى اضطراب عقاب والاكتئاب كثيرا ما يصاحب القلق.

هذا وإن الاكتئاب في الدراسات التراثية لا يخرج عما يطلق عليه الهم والغم والكرب والحزن، لأنها هي الأعراض التي يطلق عليها في الطب النفسي الحديث " الاكتئاب النفسي".

3- الخور، وهو يدعى الآن: )النوراستينيا (NEURASTHENIA
ويقصد به تقليد شكوى الغير، أو كما يقول الشاعر المهجري أبو ماضي:-
أيها الشاكي وما بك داء كيف تبدو إذا غدوت عليلا

وهو خلل وظيفي في السلوك يتصف صاحبه بالتعب غير السوي، والشكايات الجسدية غير المستندة لواقع، وهو نوع من العصاب، ووجه ما في التراث من تسميته بالخور أنه عبارة عن الجبن إزاء أمور لا يجبن عنها الآخرون الأسوياء، فهو ينبع من شعور ذاتي فردي يستروح إليه صاحبه دون أن يكون له حقيقة أو مسوغ .

ولا يخفى أن علاج هذا المرض يكمن في التسلي عن المصائب والتذرع بالصبر، وإدراك النعم الأخرى السابغة على الإنسان مهما ألحقت به من آلام، وسيأتي مزيد بيان لهذا الإجمال.

4- الوسواس القهري (OPSESSION):-
وهر وجود فكرة أو انفعال أو إلحاح مستحوذ بصورة مرضية على فرد ما. وبعبارة أخرى: الانشغال بفكرة تافهة ظاهرا لكنها مسئولية على صاحبها بحيث يعجز عن مقاومتها أو إبعادها، وهي تقتحم تفكيره حتى تعطل اهتمامه بغيرها. وعليه يشعر الفرد) أنه ملزم بأداء عمل معين بدون قناعة، لكنه يقع تحت سيطرة هذا الشعور إلى حد العجز عن فالواقع أن الدين السماوي هو نظام إلهي متكامل واجب التطبيق باعتباره معيارا للحق الثابت، وهو هدف أساسي يتبعه كل ما عداه لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).

ثم إن هذا لا ينطبق إلا على الدين الحق ، أي الدين السماوي قبل النسخ أو التحريف، فإن الأديان المحرفة، أو الأديان المخترعة من البشر ما هي إلا مجلبة لأضرار لأحد لها على الصحة النفسية للإنسان، بعد ضررها على الدين والعقل.

إن هناك كلمة وفيرة من المفاهيم الأساسية في التربية وعلم النفس في مجال العلاج، والقدر الأكبر منها مشترك في التعويل عليه، وتتميز إسلامية علاج ما بالربط الوثيق بين جوهره وبين التطبيقات الأصيلة في القرآن والحديث والتراث الإسلامي الذي نشأ في ظلهما. وكثيرا ما تتبين الريادة والسبق الإسلامي في أساليب نحسبها عصرية وذلك كلما تم الكشف عن مزيد من الثروة العلمية والعملية مما لا يفتقر إلا لبعض الروابط ليفهم بموازين العصر و طببقا لأساليب المعرفة الحديثة.

وقد اهتم الغزالي بالمعالجة النفسية بشكل لم يضاهه فيه غيره، وأودع ذلك في أكثر من كتاب في هذا المجال، ومن أهمها في موضوعنا ، كتابه " ميزان العمل " وكتابه " معارج النفس " فضلا عما في كتابه " إحياء علوم الدين لا من أبواب تحت اسم: كتاب شرح عجائب القلب، وكتاب رياضة النفس ومعالجة أمراض القلب وكتب عن التوبة، والصبر والشكر، والخوف والرجاء. ومما قاله في ميزان العمل: " القسم الثاني- من أقسام العلوم النافعة- العلم العملي وهو ثلاثة علوم (1) علم النفس بصفاتها وأخلاقها، وهو الرياضة ومجاهدة الهوى (وهو أكبر مقصود هذا الكتاب) 0 (2) وعلمها بكيفية المعيشة مع الأهل والولد والخدم والعبيد، فإنهم خدمك أيضا كأطرافك وأبعاضك وقواك. وكما لا بد من سياسة قوى بدنك من الشهوة والغضب وغيرهما فلابد من سياسة هؤلاء. (3) وعلم سياسة أهل البلد والناحية وضبطهم... وأهم هذه الثلاثة تهذيب النفس وسياسة البدن ورعاية العدل (الاعتدال) من هذه الصفات، حتى إذا اعتدلت تعدت عدالتها إلى الرعية البعيدة من الأهل والولد ثم إلى أهل البلد، " فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" .

إلا أنه يبقى الفرق واضحا بين العلاج النفسي والعلاج الروحي، وربما يتعين لإبداء الفرق الإلمام بأحدهما على الأقل وهو العلاج النفسي للانتقال إلى تفصيل الآخر.

صور العلاج النفسي معروفة للمختصين، ولغيرهم إلمام كاف بها، وهي المتبادرة كلما ذكر المرض النفسي ، والطابع المميز لها أنها قابلة للتجريب وخاضعة لأصول ومعايير ذات مرونة. ونحن في غنى عن التوسع فيها، ولا سيما مع اشتمال المؤتمر، على قدر كبير من التعريف بها، فهناك العلاج التحليلي، والعلاج السلوكي، ولكل منهما طرائقه، ومن الوسائل التي تذكر، ولها سندها من عموميات المباديء الإسلامية المتداولة في تراث علماء النفس والتربية والأخلاق .

أ - التوجيه، ويعتبر أول الطرق الوقائية، وقوامه تقديم المشورة الهادفة إلى جعل تأثيرات المجال الذي يعايشه الشخص متلائما مع الاستعدادات المختلفة لديه سواء كانت استعدادات عقلية كالذكاء، أو انفعالية كالميول ، ويتصف التوجيه بالاستمرارية ولو حصل التدرج إلى إجراءات أخرى .

ب- الإرشاد: وهو أيضا طريقة وقائية تسلط الأضواء على أحسن سبل التعامل مع البيئة لحل بعض المشكلات التي لم تتصف بالتعقيد وذلك بهدف التعايش مع المجال الخاص بالشخص دون الإخلال بالتوازن بين الجوانب النفسية السوية.

ج - العلاج: بتقويم الانحراف في أنماط السلوك لدى الشخص، ويكون عادة بعد فوات فرص الوقاية. ولعل هذه إحدى الفوارق عن العلاج الروحي فإنه ليست هناك فرص تفوت بحيث تتوقف الإجراءات الوقائية، فإن تلك الإجراءات معظمها محل خطاب تكليفي من الشرع بدرجات متفاوتة من الفرضية العينية أو الكفائية أو الندب.

وللعلاج النفسي خطواته من (الشكوى والتشخيص) وهي شكوى لتوصيف المرض، ثم (تفريغ الشحنة الانفعالية) للتعبير عن أسباب الاضطراب.. وهذا ما يتم عن طريق طلب النصيحة والحرص على استشارة المؤتمن.. والتعاون على البر والتقوى.

كما أن هناك (الاستبصار) المراد منه إدراك الدوافع التي كان الشخص غافلا عنها أو عاجزا عن إدراكها، وما أشبه هذا بتعريف الإنسان عيوبه في مناجاة الناصح غير المتتبع للعثرات، وفي ظل مبدأي (الحسبة) و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنح) . ومن ثم يتم (تغيير السلوك) باكتساب الاتجاهات الجديدة والعادات الفضلى ولابد مع ذلك من (المتابعة) التي ستوثق بها من تمسك الشخص بمكتسباته .

هذا، وإن مثل هذه الإجراءات والوسائل للعلاج النفسي لا تعدو أن تكون عبارة عن قوالب لتنظيم المواقف الواجب اتباعها تجاه الحالات المرضية دون أن تتطلب- بالضرورة- الالتزام بمعطيات محددة في استحضار نوع خاص من (القيم) أو أنماط معينة من السلوك محكوم عليها من وجهة نظر خاصة بأنها سوية. فلابد لمنحها الثقة أو حجبها عنها من تحري ما تشتمل عليه هذه الوسائل وما تكون وعاء له من تصرفات ليست محل تحفظ شرعي. وإلا فما جدوى علاج يشفي عللا ثانوية ويحدث شرخا في أركان الشخصية الإسلامية.

فإذا روعيت هذه الضوابط فإن المعالج مطلق اليد في التصرف بحكمة والأخذ برصيد معرفة مسلمة لديه آثارها ومأمونة عواقبها ، وملحوظ فيها كل ما يحقق الحظوة للعليل، فإن المجال هنا مجال النفس في مشاعرها وأحاسيسها وليس الجسم في عضويته الآلية.. وللمعالج المسلم استراتيجيته في خطوات العلاج وما يسبقه من توجيه وإرشاد، وفي الإرشاد متسع ل سلوك أكثر من منحى يتناسب مع مقتضى حال المسلم الكامل، وبدون التعويل على (القيم السليمة) والسعي إلى ذيوعها واستحواذها على اهتمام الفرد والتأييد الطوعي التلقائي للمجتمع ستظل الحالة المرضية هي السائدة ، ذلك أن عدم تأصيل القيم السليمة لدى الأفراد والتناقض بين قيم الفرد وما يجده في المجتمع المحيط به هما عاملان في إيجاد أنماط الشخصية غير السوية في حين أن هدف الإرشاد النفسي هو الصحة النفسية لدى الأفراد كخطوة في سبيل صحة المجتمع .

وهناك- كما في بحث الدكتور محمد رفقي فتحي عيسى، عن علاقة الإرشاد بالقيم- منهجان: (أحدهما) يهتم (بتوضيح القيم) عند الأفراد بمساعدتهم على استجلاء ما لديهم منها عن طريق الأسلوب الحواري بمناقشات محايدة لا يتدخل فيها المرشد. و (الثاني) يهتم (بإخضاع القيم) إلى سلم ارتقائي معياره الالتزام بالواجب بمناقشات أخلاقية تهدف للمستوى الأعلى.. وهذه الدراسة ترى أن في كل منهما عيبا، يكمن في افتراض نسبية القيم وعدم الخلوص إلى حل الصراع النفس في المنهج الأول ، وفي غموض المعيار وعدم الثبات أو الشمول وعدم اتساق المراحل في المنهج الثاني.. ولذا لابد إبدال هذين المنهجين بمنهج آخر هو (تصحيح القيم) وهي عملية تحليل القيم بعد توضيح المعيار الأسمى المتمثل في البناء القيمي الديني المنبثق من الدين الجامع الخاتم (الإسلام) المتميز بالعصمة والثبات والصدق والشمولية. ولئن كانت العمليات متشابهة في كل من توضيح القيم وتصحيحها فإنها في التصحيح تتميز بتحديد القيمة السليمة فتوقظ أسمى قيمة وهي (الإيمان) ويطمئن القلب والوجدان لها كمعيار فضلا عن اتخاذ موقف من البدائل المزيفة وتكون الممارسة للقيمة باعتبارها معيارا يتم الرجوع إليه في الموقف المشكل.

العلاج الروحي للأمراض النفسية

مما لا يسو إغفاله في المناهج والدراسات التي تهتم بها (المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية) أن كلا من الجانب الروحي الديني والجانب النفسي المستمد من المبادىء الإسلامية هما من أهم مميزات الطب الإسلامي لأن وجودهما يعزز الأسس والمبادىء المرضية في حياة الإنسان المسلم ، عليلا كان أو معافى، لأن هذا العلاج غير المادي ما هو إلا وجه من وجوه التطبيق للإسلام بعقيدته الصافية وشريعته الوافية، وهو في الحقيقة عنصر مساعد على وقاية (الطب الإسلامي) من آفة الاقتصار على العلاج المادي والتعلق به وإغفال الأثر الثابت لغيره من أساليب العلاج التي تمت بصلة مباشرة إلى العقيدة والأخلاق وهما الجانب البالغ الأهمية في حياة الإنسان .

وفي هذا يقول ابن القيم، وهو في أبحاثه القيمة يمثل السفير الناجح للجانب الروحي في ميدان الطب والعلاج: طب الطبائعية (يقصد أطباء الجسم) وعلاجهم بالنسبة إلى العلاج النبوي (يقصد العلاج الروحي) كطب الطرقية بالنسبة إلى طبعهم بل أقل. فإن التفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم وأعظم من التفاوت الذي بينهم وبين الطرقية ، بما لا يدرك الإنسان مقداره، فقد ظهر لك عقد الإخاء الذي بين الحكمة (يقصد المعقولات المدركة) والشرع (الغيبيات) وءدم مناقضة أحدهما للآخر ".

وهناك شعار يمكن رفعه في الدعوة إلى رحابة الصدر بهذا العلاج، وهو مستمد من قول r تعقيبا على استعراضه بعض الرقى المتداولة وإقرار ما كان منها خاليا من الشوائب المخلة بالعقيدة أو السلوك الإسلامي حيث قال: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) وإن تسليط الأضواء على هذا النوع من العلاج إتاحة للنفع ، كما أن من ينكره - عن جهل بمضمونه ومستنداته- يوصد بابا للنفع ويصد عن سبيله، وقد غاب عنه أن (وفوق كل ذي علم عليم) (6) ولم يستحضر الخطب الإلهي جملة وتفصيلا (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (7).

والعلاقة بين التوجيهات الدينية والشفاء وثيقة جدا، فالمؤمن كما يدين لخالقه في حال الصحة يستعين به في حال المرض ، والإسلام يقدم علاجات مختلفة متآزرة لإيجاد الإنسان القويم السوي، فكما يحتاج المريض إلى عقاقير الدواء يحتاج إلى عقاقير الفكر المستخلصة من العقيدة، وآثارها عبادة والتزاما.

والعلاج الروحي إما أن يكون معقول المعنى ميسور الإدراك لمن لديه مبادىء إيمانية، لما يلحظ فيه من الصلة المباشرة بمسلمات دينية تنبثق من الإيمان بالله عز وجل.. ومنها أمور لا يدرك العقل سرها لكنه في الوقت نفسه لا ينفيها لأنها لا تعارض مسلمات العقل، بل كل ما في الأمر أنه لا يستوعبها ولا يضع الإصبع على علة الأثر الذي ينسب إليها، وهذا النوع سيأتي منفصلا على حدة لأنه يحتاج مزيد من التوثيق وكثيرا من التوطئة ، وإطارا من التحرز بعدما دخلته الشوائب وتسللت إليه الغرائب.

على أن العلاج الروحي المدرك من حيث الصلة المباشرة بين التصرف والأثر يمكن تقسيمه إلى عام دائم تتحقق به الوقاية والأمان من الوقوع في براثن المرض وإلى علاج تستدعيه الحالة المرضية القائمة وهو- بالرغم من عمومية بعضه وصلاحيته لأكثر- من مرض- يعتبر من قبيل العلاج الرافع للعلة فهو يراد به البرء والشفاء في حين يراد من ذاك الأول السلامة واستدامة الصحة..

هذا ولم يهتم من تعرضوا للعلاجات الروحية بتقسيم مماثل أو مشابه لوقائي وعلاجي بقدر ما اهتموا بإحصاء تلك العقاقير الروحية وأثرها على الأدواء.. وقد أبلغها ابن القيم في معرض علاج (الهم والغم والحزن والكرب) إلى بضعة عشر، بعد أن ورد في مجالات أخرف العلاج بالتعوذات القرآنية، وبالتعوذات النبوية كما تعرض لعلاج حزن المصائب بالتفكير العميق في حقائق الأمور.

وباستعراض ذلك كله يتبين أن منه العام أو الوقائي، ومنه الخاص الموجه أساسا لمداواة مرض معين.

وللقاضي بدر الدين الشبلي اختيار آخر للعلاج الروحي يرشد فيه إلى عشرة أمور تهدف إلى معالجة الضعف الروحي الذي يتسرب معه إلى الإنسان التخبط والوسواس الناشىء عن تسلط أهل الشر من الجنة والناس .

وإن تلمس طبيعة هذه العلاجات كل على حدة، من حيث توقيت اللجوء إليها، يقتضي تصنيفها إلى ما يستهدف به الولاية وما يستهدف به العلاج والاستشفاء..

على أن التفرقة في العلاج الروحي بين الوقائي منه والشفائي ليست واضحة المعالم لسبب جوهري في طبيعتها وهو أنها في معظمها واجبات دينية ثابتة إما بصورة شخصية (فريضة عينية) أو بصوره جماعية (فريضة كفائية) .

ولذا قد ينعدم الخيار أو يضعف في الإقدام على سلوك تلك الأساليب والأخذ بها ما دام الشخص ملتزما بواجباته الدينية... ومن هنا تكون ملازمة هذه العلاجات هي الأصل، فإن كان الشخص معافى سويا قامت بدور الوقاية والتحصين وتعزيز المناعة، حتى إذا عرضت له أدواء وعلل، أو كان في غالب أحواله عليل الروح مريض النفس، فتلك العقاقير الروح، هي الدواء الشافي لما ألم به. ومادام الحديث في إطار العلاج الإسلامي روحيا فإن التوغل في وجهات النظر المختلفة ليس ذ بال هنا لأن هذا العلاج ليس عقارا طبيعيا ينفع للبرء من داء دون آخر ولا سيما أن هذه الأمراض أو الأعراض ملة واحدة في مجافاة الفطرة والتنكب عن الطبيعة السوية.

ولقد استعرض ابن القيم أهم هذه العلاجات (التي يغلب عليها الطابع الوقائي) وبلغت بضعة عشر من الأمور التي يمكن بل ينبئني ، الجمع بينها ليحصل له الدواء الشافي. وعلى رأسها صحة الاعتقاد بتوحيد الله تعالى على النحو الشامل لكل من:

أ- توحيد الربوبية : وهو اعتقاد العبد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير وهو الذي رب جميع الخلق بالنعم، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة والأعمال الصالحة.

ب- توحيد الألوهية : وهو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية وله حق العبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها، وإخلاص الدين له وحده.

ج- التوحيد العلمي الاعتقادي ، بإثبات كل كمال أثبته الله لنفسه، وتنزيهه عن كل نقص أو صفة لا تليق بذاته.

والتوحيد الخالص يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج، وهذه الصفات زاد للنفس، مناعة للروح من أن تعمل، فيها الأسقام.

وإذا كان منشأ أكثر الأمراض النفسية وأخطرها هو القلق والاكتئاب فإن علاجهما يكون بأمن الإيمان وطمأنينته، وذلك بعقيدة التوحيد التي يوقن فيها الإنسان بأن خالق النفع والضر هو الله عز وجل، ومن ثم فلا يخشى إلا الله ولا يرجو سواه، دون أن يخل ذلك بمواقف التغيير الإصلاحي دون الاستسلام أو العجز. ثم تأتي العبادات معززة لهذه العقيدة فتوثق صلة الإنسان بربه وتجعل له الغلبة على هواه فلا يكون مقهورا تحت وطأة شهواتها أو نوازعه.

وفي أبحاث المؤتمر الثاني جملة صالحة عن أثر الإيمان والعبادات في توفير الصحة النفسية.

ثم يأتي العلاج الوقائي التالي وهو استحضار الكمال في صفات الله وأفعاله الجارية في كونه وخلقه، فهو منزه عن العبث والظلم ولله في خلقه شئون وحكم حكيمة لا يضرها عدم إدراكنا لها.. وحسبنا الاعتقاد الجازم بتلك المسلمات العليا والتي تتضمن على ما ساقه ابن القيم أيضا:

د- تنزيه الله تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك.

هـ- واعتراف العبد بأنه هو الظالم لنفسه كلما كان في المصيبة سمة العقاب. ثم يأتي بعدئذ ما هو توابع لهذه العقيدة الواضحة الصافية، وذلك من مثل:

و- إقرار العبد لله بالرجاء، وهذا يقطع دابر اليأس القاتل والقلق والاكتئاب.. ومن كان الخير كله بيده فخليق بالإنسان تحقيق الرجاء برحمته، وتفويض الأمر إليه والتضرع بأن يصلح له شأنه كله ولا يكله إلى نفسه.

ز- تحقيق التوكل على الله والتفويض إليه والاعتراف بأن ناصية الإنسان في يده يصرفه كيف يشاء وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه.

ولهذه القناعات القلبية وسائل من كسب اللسان، والمناجاة المباشرة بين المخلوق والخالق تعين على تحقيق النتائج ، بما تفصح عنه من مكنون العقيدة ومضمر القناعات السابقة، وأهم هذه العلاجات:

ح- الإكثار مزج ترداد ( لا حول ولا قوة إلا بالله) مع استشعار المبدأين اللذين تتضمنهما وهما: البراءة من الحول الذاتي ، فلا حائل يقي من لحوق الشر والضرر إلا بالله ، والبراءة من القوة بمعنى المكنة الذاتية على جلب الخير فلا سبيل إليها إلا بالله ، ومما يجدر التنويه به هنا أن كلمة (الحوقلة) هذه للاستعانة بالله ، وليست للاسترجاع من المصيبة- كما يتوهم ، لذا هي علاج إيجابي. وللتصبر على المصيبة العبارة الخاصة المعروفة.

ط- التوسل إلى الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فإن تلك الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلا للمطلوب.

ي- التوبة، باعتبارها تصحيحا للمواقف والتصرفات الصادرة من الشخص سواء كانت في حق الله ، أو حق العباد وهي إذا كانت توبة نصوحا تزيل كل ما يبدد الطاقة الروحية للشخص ، وتقويه تجاه الضغوط والنكبات النفسية التي يتعرض لها من محاسبة الذات. ولا تخفى صلة التوبة بالتخلص من عقدة الذنب ودفعها الإنسان لاستئناف حياة ومواقف فضلى.

ك- الاستغفار ، وهو رفع لشعار التوبة، ومتابعة دائبة لها، وتعزيز لافتقار الإنسان إلى ربه ليكفر عنه خطاياه ويزيل عن نفسه شبحها الذي يشده لليأس والقنوط والضعف والسقوط.

ل- تكوين الشخصية الإسلامية المتبصرة التي تأخذ وتدع ولا يكون الفرد فيها (إمعة) " لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم "، وهذا يدفع عن الإنسان خطر الانسياق والاستخذاء في مواجهة ما يسود في بيئة ما من أفكار غير سوية أو ما يتعرض له من تحريض على الشر، وتسويل من النفس للإقدام على مالا تحمد عقباه من مواقف .

م- الاستعانة بلله سبحانه بالدعاء :
والدعاء لون هام من ألوان العلاج للأمراض النفسية، وهو علاج روحي (إلهي) بالتعبير المستخدم قديما، فضلا عن كونه مظهرا عباديا بل هو مخ العبادة وخلاصتها.

والدعاء ليس- كما يخيل للبعض- أسلوبا نفسيا لا يقصد لذاته بل لأثره الإيحائي ، بل هو حقيقة قائمة عام مناجاة العبد لخالقه والاستعانة به في كل من حال الصحة وحال المرض (إياك نعبد وإياك نستعين ) (8) فلا صحة للزج بالدعاء ضمن وسائل (التنفيس) أو (الإيحاء) فليست في ذلك إلا طمس الحقيقة والغفلة عن الطبيعة العبادية للدعاء.

ن- الصلاة:
الصلاة علاج شامل ، بل صيدلية ملأى بالعقاقير الروحية لشتى أمراض النفس، وهي ليست علاجا فقط، بل مصدر قوة لنفسه تجعله آمنا من المعاناة ، مصداق ذلك قوله النبي (r): " أرحنا بها يابلال ".

وقد عد ابن القيم ما تكون الصلاة عونا على تحصيله من مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدها مما لا داعي لسرده، ومداره ما في، الصلاة من شرح الصدور وشفاء القلوب بلذة المناجاة والراحة النفسية باللجوء إلى الله في تأكيد العبودية له وتحقيق الاستعانة به. على أن ابن القيم لم يكتف بما بينه للمسلم من شأن الصلاة، بل نقل الكلام إلى من اتصف بالزندقة فلم يقم وزنا للأديان والعبادة المتقرب بها والمتوصل بها إلى راحة النفس. فدعا هؤلاء للتأمل فيما تستتبعه الصلاة من حركات فيها تقوية للأعضاء وللنفس مما يقوى طبيعة الجسم ويدفع عنه الألم ثم قال: لكن داء الزندقة والأعراض عما جاءت به الرسل والتعوض عنه بالإلحاد داء ليس له دواء إلا نار تلظى!... ولنا ألا نتفق مع رأي من يرى في الصلاة تحقيقا (للاسترخاء).. فإنه معنى لا يفي بمقاصد الصلاة الإيجابية في النفس والجسم.

س- الجهاد:
لأنه مصاولة للباطل ومدافعة للطغيان، إن أخل به من يطلب منه اشتد همه وغمه، فإن جاهد في الله حق جهاده بأية صورة مقدور عليها، أبدل الله ذلك الهم والحزن فرحا ونشاطا وقوة (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ) (9).

ع- القرآن، و خصوصا: الفاتحة والمعوذتان :
القرآن شفاء لما في الصدور. ومن في قلبه أمراض الشبهات والشهوات، ففي القرآن من البينات ما يميز الحق من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب.. هذا ما يقوله ابن تيمية ، ويقول القاضي الشبلي: وفي التطبيب والاستشفاء بكتاب الله غنى تام ومقنع عام وهو النور والشفاء لما في الصدور. وخواص الآيات والأذكار لا ينكرها إلا من عقيدته واهية، ولكن لا يعقلها إلا العالمون وتعيها أذن واعية..

هذا وإن فاتحة الكتاب، بما تضمنته من إخلاص العبودية والثناء على الله، وتفويض الأمر كله إليه ، والاستعانة به وسؤاله مجامع النعم كلها وهي الهداية، تعتبر من أعظم الأدوية الروحية، وموضع الاستشفاء منها هو (إياك نعبد وإياك نستعين ) (1).

ف- الصوم:
الصوم وقاية من أدواء الروح والقلب والبدن، وهو علاج روحي إذا روعي فيه مقصوده وأسراره، لأنه أمر آخر غير ترك الطعام والشراب، وذلك هو اجتماع القلب والهمة على الله تعالى وتوفير قوى النفس على طاعته.

ص- الصبر:
هو علاج روحي يرفع عن النفس ضغط المصيبة ويريح الشخص من عناء الشعور بالحرمان أو الألم المبرح نفسيا من المكروه الذي نزل به. والصبر مرتبط بالإيمان ارتباطا وثيقا، لأنه يستند إلى الاعتقاد بالحكمة الكامنة في أفعال الله تعالى نافعة كانت أو ضارة بالنسبة للإنسان .

وللعلماء غوص وتحليل دقيق للبواعث على الصبر والمرتكزات التي تحمل على التلبس به من خلال قناعات هادفة وليس خضوعا للأمر الواقع، فذاك أدق منزلة فيه، وهو صبر لا يثاب عليه صاحبه. وشعار هذه القناعات استحضار قوله تعالى (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) (11) فإن هذه الكلمة أبلغ علاج لأنها تتضمن أن العبد وأهله وماله ملك لله ، فإذا أخذه منه فهو كالعارية المستردة، كما يتضمن أن مصير العبد ومرجعه إلى مولاه الحق ولا بد أن يخلف الدنيا وما فيها وراء ظهره.

وممن أسهم في هذه المعالجات النفسية بالصبر للتخلص من القلق والاكتئاب (الغم والهم وألم المصائب) ابن الجوزي، والمنبجي، وابن تيمية، وابن القيم وآخرون. ومما طرحوه من عناصر كثيرة أشير إلى فحوى ما لديهم جميعا دون تكرار، فمن ذلك:

- أن يعلم أن الدنيا دار ابتلاء، وأنها ذات أحوال، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
- أن يعلم أن المصيبة ثابتة في القدر السابق ولابد من وقوعها. وهذا العلم بالنسبة للإنسان بعد أن تقع..
- أن يعلم أن الله ارتضاها له، واختاره لها، فالعبودية تقتضي رضاه بما قسم له.
- أن يعلم أن المصائب رغم خشونتها فهي دواء نافع سيق إليه من الحكيم الخبير.
- أن يعلم أن المصيبة ما جاءت إليه لتهلكه بل لامتحان صبره واختباره فإن من سنن الله اختبار عباده وتربيتهم على السراء والضراء والنعمة والبلاء.
- أن يقدر وجود أكثر من تلك المصيبة، ويلحظ أن ما أبقاه الله عليه مثل ما أصيب به أو أفضل.
- أن ينظر في حال من ابتلى بمثلها، أو بأكثر منها، فيهون عليه مصابه بالتأسي، أو بالتخفيف عنه.
- أن يشهد الجزاء والثواب على الصبر، من تكفير السيئات ورفع الدرجات، وأن يرزق الخلف الحسن عنها، وأن فوات ثواب الصبر أعظم من المصيبة.
- أن يراعى حق الله في البلاء وهو الرضا، أو على الأقل الصبر. فأحد هذين واجب عليه.
- أن يلحظ أن تشديد البلاء هو من خصائص الأخيار والصالحين .
- أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وأنه يشمت عدوه ويسيء صديقه ويغضب ربه ويضعف نفسه.. وأنه وإن بلغ في الجزع غايته فمآله أن يصبر صبر الاضطرار الذي لا حمد عليه ولا ثواب (الصبر عند الصدمة الأولى).

كما أن هناك درجات للصبر، فأدناها (التصبر) وهو يحصل بتكلف وتحمل على كره. ثم (الصبر) وهو ثمرة التصبر. ثم (الاصطبار) وهو ما يصدر سجية ويرافقه استبشار باختيار الله له. وهو أبلغ من الصبر.

العلاقة بين الرجاء والخوف
لاشك أن الخوف كعلاج نفسي ليست مقصودا لذاته، بل هو لقمع نزوات الغرور والتسيب مما يقع معه الإنسان في نظير ما يعانيه لو لم يبال بشيء، ولهذا وجب في هذا الخوف ليظل سويا أن يكون متوازنا مع الأمل الذي يحمله الإنسان في جوانحه، فلا يبلغ ، به الخوف درجة اليأس والقنوط، وكي لا يظل إدراك الخوف هنا محل استغراب- من حيث إنه ملاحق في علم النفس ومعدود بين الأعراض غير المرغوبة- أشير إلى أن قصارى ما يعود به الخوف على صاحبه أن يورثه شيئا من القلق.، وهو من القلق غير العصابي إذ له خاصية الدافع إلى العمل والتصرف، ولذا ميزوه باسم (القلق الدافع (DRIVEANXIETY) وهي نظرية جديدة مفادها أن مواقف العمل والتعلم يصحبها شعور بالقلق وعدم الارتياح، وهو شعور يدفع إلى الإسراع في إنجاز واكتساب المعرفة، سعيا إلى تخفيض القلق والتخلص منه فيتلوه الشعور بالارتياح .

ويربط ابز تيمية بين المحبة وكل من الخوف والرجاء بعد أن يجعل المحبة أصل كل عمل ديني قائلا: الخوف والرجاء وغيرهما استلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) (13) ورحمته اسم جامع ، لكل خير، وعذابه اسم جامع لكل شر.

علاجات روحية غيبية:
والذي يجب أن لا نهمله هو العلاج الروحي الديني بمعناه الغيبي غير المحسوس بالإضافة إلى الاهتمام الملحوظ بالعلاج النفسي الذي أخضع للدراسة على صعيد العلم والتجربة أحيانا.. وبذلك نجمع في العلاج بين الأخذ بالأسباب واللجوء إلى خالقها (وإذا مرضت فهو يشفين ) (13).

والتأثير- كما يقول ابن القيم- غير موقوف على الاتصالات الجسمية، كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل التأثير تارة يكون بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه، وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات، وتارة بالوهم والتخيل..

وهذه الأنواع تأخذ بنصيب متفاوت قربا أو بعدا من المادة المحسوسة الخاضعة للتجريب والضبط بقاعدة. ويهمنا منها ما جاءت في شأنه نصوص مثبتة وتطبيقات شرعية صحيحة النقل.

والغرض من استعراضها أن تؤخذ في الاعتبار سواء احتيج إلى العمل بها أم لا، فإن من الغبن والخيانة أن تطوى مثل هذه الأساليب أو يتنكر لها لمجرد مجافاتها لما يروج في عصر أو بيئة، أو لما يمتد من تأثير لمبادىء عاشت في قطاعات غير إسلامية.

ومن الواضح أن العمل بالشيء أو تركه أمر آخر غير التصديق والجحود فتارك العمل الواجب لا يجني إلا على نفسه، أما من يتمادى حتى ينكر الحقيقة الثابتة فإنه يريد أن يجني عليها وعلى كان من يعمل بها.. ولذلك يكون مدانا بالمعيار الذي توزن به هذه الحقيقة وفي نظر جميع من يعتقد ثبوتها عمل بها أولم يعمل .

على أننا حين نقرر تميز العلاج الروحي ونشير إلى بعض الصور الغيبية لا نلتزم ولا نقبل من صوره إلا ما ثبتت شرعيته بالنصوص الصحيحة بعيدا عن الخرافات والأوهام، وذلك منهج واضح، لأن الإسلام قد وضع الأسس الكفيلة بإبعاد صور الدجل والاستغلال التي يخترعها كثيرون ممن يستغلون حال ضعف المريض واستسلامه لكل من يلوح له بالعلاج.. أن تسليط الأضواء على المنهج الصحيح كفيل بإزهاق الباطل حتى يذهب الزبد جفاء وبإحقاق الحق حتى يبقى ، وهو ما كان قائما على أدعية وتعوذات مشروعة هادفة، ولابد أن يؤدي هذا إلى دحض الشوائب التي علقت بهذا العلاج بسبب الغموض الذي يستغله بعض المشعوذين .

إن ما جاء في الطب النبوي من علاجات روحية في المرض والوجع واللدغة والإصابة بالعين مما صحت به الأحاديث كله قائم على الدعاء مباشرة دون وسيط بأن يلهم الإنسان سواء السبيل للوصول إلى العلاج الناجع (فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله). وهذا الدعاء يصدر من المريض نفسه أو ممن يتوسم فيه استجابة دعائه بعيدا عن حمل التمائم والحجب.

علاج الإصابة بالعين:
لا تخفي صلة الإصابة بالعين بما يطرأ على النفس من انحراف غير جسماني وإن ذلك لا ينشأ عن تصرف مادي يلحق به، وحين تتغير حالة البدن فإن ذلك لا يخرج عن الأمراض النفسية. والإصابة بالعين أصلها من الحسد. ولكن ليس كل- حاسد عائنا ، وكما يقول ابن القيم: لا ينكر تأثير الحاسد بإيذاء المحسود إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، إذ يلحق بالمحسود من الأذى المعنوي ثم المادي بسبب ما تتكيف به نفس الحاسد من كيفية خبيثة فتؤثر بتلك الخاصية. وتقوم الإصابة بالعين على الرؤية الحاسدة غالبا، وإن كانت نفس العائن لا يتوقف تأثيرها على العين فقد يعتمد على الوصال.

وأولى المراحل: إعجاب العائن بالشيء، ثم إتباعه بتوجه نفسه على كيفية خبيثة تهدف للإضرار به، ثم تستعين على ذلك بالنظر إلى الشخص المعين .

ومن الأحاديث الكثيرة في العين الحديث المروى فى صحيح مسلم " العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " كما ثبت عنه (r) الترخيص في الرقية من الحمة (لسعة العقرب ) والغين، والنملة (قروح تخرج من الجنب).

وعلاج العين منه نوع وقائي يلجأ إليه المتعرض للإصابة، كما يدعي العائن إلى قوله لوقاية الآخرين من لحوق الذي يخافه عليهم، وهذا العلاج الوقائي هو (التبريك) أي الدعاء بالبركة بمثل قوله: اللهم بارك عليه. وكذلك استحضار الربط بين حدوث النعمة وسبق المشيئة الإلهية بأن يقول " ما شاء الله لا قوة إلا بالله).

وكذلك الدعاء الذي أخرجه مسلم في صحيحه والذي تعلمه (r) من جبريل " باسم الله أرقيك من كل دار يؤذيك، من شر كل حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك " مع تعوذات قرآنية كآية الكرسي والفاتحة والمعوذتين .

أما العلاج للاستشفاء من العين فهو كما ورد في الأحاديث الصحيحة أن يؤمر العائن بالتوضؤ أو الاغتسال، ثم يغتسل منه المعين ، وفي سنن أبي داود واقعة حصلت في عهده r. وقد اهتم علماء السنة وخاصة الإمام الزهري بوصف ذلك بالتفصيل.

وقد أطال ابن القيم الحديث في التكييف العقلي للإصابة بالعين وتعليل العلاج المأثور ليقرب ذلك إلى العلماء الطبيعيين في عصره .. ولا تزال كثير من الأمور تنكشف وتثبيت أشباه تلك المؤثرات غير المحسوسة في قضايا لم تدعم بنصوص غيبية واجبة التسليم بها..

علاج الصرع غير العضوي:
مما ثبت عن (أبقراط) أنه ذكر بعض علاجات الصرع ثم قال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. ونقل القاضي بدر الدين الشبلي. عننه قوله أيضا في شأن بعض المياه الطبية: " إنه ينفع من الصرع، لست أعني الصرع الذي يعالجه أصحاب الهياكل، وإنما أعنى الصرع الذي تعالجه الأطباء " فأثبت نوعا من الصرع لا ينجع فيه العلاج الطبي المعهود لهذه العلة، ولا يزال هذا النوع مائلا للعيان، وإن كان الطب الحديث لا يأخذ بهذا التنويع. مع المشهود من استعصاء بعض الصرع عن العلاج وليس هذا استمرارا للتطبيقات في العلل الأخرى، لأن الحال مختلف فتلك العلل يدخل اللبس في تشخيصها فلا يوقف على الدواء المطابق للداء، وسنة الله التي أشار إليها الحديث أنه " إذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله " وكثير من حالات الصرع المستعصي، يحصل اليقين بوجود الداء ومع ذلك لا يجدي فيه الدواء الناجع في أمثال تلك الحالات مما يدل على أنه حينئذ مرض غير عضوي.

ولهذا النوع من الصرع في التراث تفسير ثابت بالنصوص، فلا يهمنا بعدئذ أن يستنكره البعض أو يستغربوه، وربما بلغ الحال التنديد به في غمرة ما يلتبس لديهم من الخلط بين صور مزيفة من علاجه وبين صور مرسومة متبعة.

ولا يتسع آخر المقام في هذا البحث إلا لبيان ما هناك من ضوابط لدى المنوهين به مع الإشارة لموضع الشاهد من النصوص الشرعية المنقولة وبعض التطبيقات:

أ- الأصل في المرض أي مرض أن يبحث عن دوائه في الأسباب الكونية الظاهرة المقدور على فهمها وتفسيرها، ولذا لا يصار إلى البحث عن علاج آخر إلا عند العجز وسنرى أن الحالات المنقولة في السنة كلها فيها الإشارة إلى أن ما بهؤلاء المرضى قد أعيا الأطباء علاجه.. على أنه لا ينافي هذا أن يحصل (الاقتران) بين العلاج المادي والروحي الذي لا يتنافى اجتماعه مع الأخذ بالأسباب الظاهرة.

ذلك أن لالتجاء إلى الله وسؤاله شفاء مريض مصاب بمرض غير معروف لا يقتصر على حالة العجز عن تحقيق شفائه.. بل إن ذلك الالتجاء يرافق عملية العلاج للمرض سواء حصل الأمل بشفائه أو العجز عنه.. إنما لا يسوغ الاقتصار على العلاج الروحي ويترك الأخذ بالأسباب الأخرى التي وضعها الله تعالى في صورة قوانين طبيعية، وجاءت الشريعة بالتأكيد على أن الأخذ بها لا ينافي التوكل على الله بل إن عدم أخذها إنما هو عجز وتواكل منهي عنهما شرعا، ومستنكران عقلا وطبعا.

ب- يدور العلاج الروحي لهذا النوع من الصرع على قراءة آية الكرسي والمعوذتين والدعاء والصلاة ونحو ذلك مما يقوي الإيمان والنفس، ويجتنب كل من المعالج والمريض الذنوب التي بها كان التسلط عليه.

ج- الإقدام عن، بعض وسائل العلاج الروحي (الزائدة عن الدعاء والتعوذ) من غلظة وشدة وانتهار وتهديد من المعالج موجهة في الظاهر للمريض لا يحل إلا بعد أن يثبت أنه لا علاج له في الطب، أي حتى يستيقن بأن سبب هذا المرض غير عضوي، وأن يكون المعالج موقنا أيضا بسلامة تصرفه وأن تكون عاقبة ذلك مطابقة لما رآه، وإلا لم يكن بمنجاة من القصاص والتعزير. ولذا جاء في الصحيحين عن عطاء بن أبي رباح أنه قال له ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي r فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك، فقالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها. قال بعض الشراح: الظاهر أن ما بهذه المرأة كان من صرع الأخلاط، وشفاؤه طبي، فخيرها النبي r بين الدعاء لها للشفاء منه (على سبيل الخوارق للعادات والأسباب الكونية) وبين أن تصبر وتسعى للبحث عن علاجه بالسبل الظاهرة.

وإلى جانب هذا هناك عدة حالات عالجها النبي r علاجا روحيا خاصا، أخرج إحداها أحمد وأبو داود والطبراني من رواية أم أبان بنت الوازع أن جدها انطلق إلى النبي بابن له- أو بابن أخت- وأن هذا المريض أقبل بعدئذ ينظر نظر الصحيح ليس، بنظر الأول " وفي حالة أخرى أخرجها الدارمي وابن عساكر من رواية صحابيين هما أسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله وهو أشهر من روى القصة الكاملة لحج النبي، وفي هذه الرواية أنه r في طريق حجته اعترضته امرأة تحمل صبيا لها ما زال به الصرع ، وإنها رجعت به بعدئذ ولم يعد به شيء تكرهه، وذكر هؤلاء الرواة أنه r كان يقول في علاجه مخاطبا من تسلط من شرار الجن: اخرج عدو الله، داعيا للمريض معوذا إياه. كما روى المؤرخون في سيرة الإمام أحمد بن حنبل قيامه بنحو ذلك في جارية أرسل بها الخليفة المتوكل وشفائها بدعاء أحمد وتسببه في دفع ذلك الإيذاء. وإنها عاودها ذلك بعد موته فبعث بها المتوكل إلى أبي بكر المروزي صاحب الإمام أحمد فلم يفلح تصرفه في زوال ذلك التأثير. ويشير ابن تيمية وتلامذته، كابن القيم وابن مفلح والبدر الشبلي إلى حوادث عالجها ابن تيمية وشهد بعضها ابن القيم عيانا، وعلق هؤلاء حصول الأثر على ما يتصف به المعالج من صلاح وقوة نفس والتزام بالشرع.

د- ومدار إثبات هذا النوع من الصرع غير العضوي اعتقاد وجود الجن ونحن جميعا لا حاجة بنا إلى الكلام عن ثبوت الجن وتصرفهم ، ولكن ثار جدل من قديم في مقدرتهم على إيذاء البشر، وفي الكيفية التي يحدث بها هذا الإيذاء، ولم يقتصر إثبات وجودهم على أهل الأديان بل ذهب أكابر الفلاسفة والأطباء إلى الإقرار بهم ، ومن أنكر ذلك وليس معه حجة يعتمد عليها تدل على النفي معه عدم العلم إذ كانت صناعته ليس فيها ما يدل على ذلك، كالطبيب الذي ينظر في البدن من جهة صحته ومرضه الذي يتعلق بمزاجه، وليس في هذا تعرض لما يحصل من جهة النفس ولا من جهة الجن ، وإن كان قد علم من طبه أن للنفس تأثيرا عظيما في البدن أعظم من تأثير الأسباب الطبية، وكذلك للجن تأثير في ذلك، قال r: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". هذا بعض ما قاله المحدث الفقيه القاضي بدر الدين الشبلي في كتابه " آكام المركان في أحكام الجان " وأورد فيه من الأدلة والأخبار والبيانات التي، نقلها عن عدد جم من العلماء منهم ابن تيمية في شأن الأثر النفسي الذي قد يلحق بالشخص من إيذاء الجن، وبين سبل العلاج الروحي من ذلك بشتى أنواعها ثم حصرها في (10) أمور استدل عليها بنصوص
القرآن والسنة وتتلخص في:-

ا- الاستعانة بالله من نزغات الشياطين.
2- قراءة المعوذتين، لما روي أنه r كان يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان.
3- قراءة آية الكرسي.
4- قراءة سورة البقرة لحديث: إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يقربه الشيطان.
5- قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة.
6- قراء- أول سورة غافر.
7- الإكثار من " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
8- كثرة ذكر الله، ومن ذلك المواظبة على الأذكار المأثورة في الحالات المختلفة من أفعال الإنسان وتصرفاته.
9- الوضوء والصلاة.
10- إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس، فالتوسع والإفراط في هذه الأمور الأربعة يضعف القوة الروحية للنفس ويجعل من السهل أن يتسلط عليها شرار الإنس والجن.

وأرى أن بكون ختام هذه النقطة إيراد الأجوبة الشرعية لهيئة الفتوى بالكويت عن أسئلة طرحها أحد الأطباء كالتالي : ــ

سؤال: نحن نعتقد بالجن باعتبارنا مسلمين إلا أنه ما هو الدليل المستخرج من الشريعة على أن الجن قد يسبب الأمراض وخاصة الأمراض العقلية (النفسية) وما هو الدليل على أن الشفاء يتم باستخراج أو طرد الجن؟

الجواب: أردت بعض الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن الجن قد يتسلطون على ضعاف الناس ويسببون لهم أحوالا مرضية لا يجدي فيها العلاج الطبي. وورد أن بعض هذه الحالات عولجت بتقوية نفس المصاب، وذلك بالتعوذ والأدعية وزجر الجني المتسلط عليه. ولا يقوى على ذلك إلا من كان قوي الإيمان والعزيمة، حتى يكون ، سلطانه على الأنفس الشريرة أقوى من سلطانها. فإذا تخلص المصاب مما كان يعانيه دل ذلك على جدوى العلاج.

هذا وإن درجة هذه الأحاديث تصلح للأخذ بها عملا ولم تصل إلى درجة أن يبني عليها اعتقاد.

سؤال: ماذا نقصد بالجن الخير والجن الشرير وما هي الأمراض المتسببة عن الجن؟

الجواب: الجن- كالإنس فيهم الصالحون، وفيهم المفسدون وذلك بنص القرآن الكريم في قوله ! تعالى (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا) (14) وقوله أيضا (وأنا منا المسلمون رمنا القاسطون ) (1) ومعنى القاسطين: الجائرون.

أما ما ينشا عن تسلط الجن ، فهو الصرع في بعض حالاته، وكذلك بعض الأمراض النفسية كالقلق ، والوسوسة والاضطراب في التصرفات المعاشية.

سؤال: لماذا يفضل (أو يميل) الجن إلى النساء؟

الجواب: إن كثرة ميل الجن للتسلط على النساء (كما تدل على ذلك الوقائع، وليس على ذلك دليل شرعي) ربما كان من غلبة العاطفة، وقلة التقوى في بعضهن.

سؤال: كيف نتعرف على أن الجن مسيطر على شخص ما؟
الجواب: إذا أصيب الإنسان بمرض أو خلل في جسمه أو عقله فإن السبيل التي دعت إليها الشريعة هي الرجوع الى المختصين من الأطباء، فإذا لم يجد العلاج الطبي فإن من المحتمل أن يكون سبب الإصابة أو المرض، غير عضوي . فيضم إليه العلاج الروحي من مثل الأدعية والأذكار وتقوية نفس المصاب والتغلب على تسلط النفس الشريرة المؤثرة عليه.

سؤال: هل مسموح التعلم بكيفية استخراج أو التخلص من الجن؟
الجواب: ليس هناك أمور خاصة تحتاج إلى تعلم أو تعليم بل كل ما يحتاج إليه العلاج هو الدعاء بالأدعية المأثورة وترداد الأذكار الواردة ، مضافا إلى ذلك صلاح المعالج وتقواه وقوة نفسه . شيطان وهامة، ومن كل عين لامة. و: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شرما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان.

-(ومنها):أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون.

- (ومنها): اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات، من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، سبحانك وبحمدك.

- (ومنها): أعوذ بوجه الله العظيم الذي لاشيء أعظم منه، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى- ما علمت منها وما لم أعلم- من شرما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره، ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، إن ربي على صراط مستقيم.

- (ومنها): اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم.

- (ومنها): تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء، واعتصمت بربي ورب كل شيء، وتوكلت على الحي الذي لا يموت، واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله ، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الله هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، وليس وراء الله مرمى، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.

المصادر والمراجع

(1) الرعد / 28 .
(2) الفجر / 28 ـ 29 .
(3) الشمس / 9 ــ 10 .
(4) الروم / 29 .
(5) النساء / 90 .
(6) يوسف / 76 .
(7) الإسراء / 85 .
(8) الفاتحة / 5 .
(9) التوبة / 14 ــ 15 .
(10) الفاتحة / 5 .
(11) البقرة / 156 .
(12) الإسراء / 57 .
(13) الشعراء / 80 .
(14) الجن / 11 .
(15) الجن / 14 .

د/جمال باصهي
02-09-2001, 10:25 AM
نقط حول مفهوم الإنسان وطاقته الروحية في الطب

الأستاذ الدكتور المهدي بن عبود
المملكة المغربية

إجماليات :
ا) الطب الإسلامي يقوم على صورة الإنسان في الإسلام والنظرة الإسلامية الشمولية للوجود وللإنسان.
2) إذا تميز الطب الصيني مثلا بصورة خاصة للجهاز العصبي مختلفة تمام الاختلاف عن التشريح الجامعي العالمي للجملة العصبية، فإن الطب الإسلامي يتميز عن غيره بصورة الإنسان الشاملة الجامعة للجسم والنفس والعقل والقلب والروح كوحدة متماسكة لا تتأثر بتغييرات التيارات الفكرية المتقلبة والمحدودة في قفص المادة أو النسق المذهبي.
3) وبناء على هذه الصورة التي توجد عند سائر البشر فإن النصائح العلاجية الروحية والمادية هي أمر يستفيد. منه أفراد البشرية كلهم مثلما يصلح الطب الرسمي لكل فرد منهم.
4) إن ميزة الإسلام في إمكان العروج إلى أنوار العالم الروحاني عند المقربين الذين يشهدون الكتاب المرقوم حسب تعبير القرآن الكريم.
5) وبناء عليه أيضاً فإن الطبيب المسلم ينصح بذلك للمسلم وغير المسلم بحسب درجات الإيمان عند المريض.
6) لا زالت المدارس العلمية والطبية والفلسفية والنفسية في الغرب تبحث عن صورة الإنسان التي يقول، عنها كارل ياسبرز Karl Jaspers إنها بعيدة المنال صعبة الإدراك ينفلت من قبضة البحث.
7) الإنسان باستعداده الفطري قادر على الاستفادة مز قوة الإرادة والثقة بالنفس والإيمان بالله للحصول على نتائج مهمة شافية لعدد كبير من الأمراض.
8) إن الفكر والذكر وراحة البال والصمت والعزلة والرجاء والتفاؤل والعبادات وتطبيق الشريعة والجمع بين الطب المادي والطب المعنوي عند الحاجة إتباعا للسنة النبوية المطهرة كلها ترجع إلى العمل الواسع الآفاق في، النظرة الشمولية استنادا إلى طاقة الحياة المعنوية وإلى:
) العلم الرباني والعلوم البشرية على أساس الإيمان، وإلى:
ب) الهمة وهي أعلى درجات الإرادة على أساس التوكل، وإلى:
ت) السلوك النير دون تزمت ودون جمود الجحود.
9) إن التجارب الحديثة تضيف برهانا جديدا على صحة دور العلاج الروحي فيما يتعلق بالإرادة والتأمل
وا لخشوع.
15) إن الطب الجسماني النفساني بداية حسنة لتفهم تبادل التأثير بين النفس والجسم والجسم والنفس.-
ولقد. شرع بعض الأطباء في إجراء اختبارات لرؤية ما يحدث في الجسم من تغيرات بيولوجية وكهربائية إثر تركيز الفكر في التأمل والخشوع في الصلاة حتى يقوم البرهان على المنفعة العلاجية للوسائل الروحية.
11) والقصد من الطب هو حفظ سلامة الإنسان ماديا ومعنويا بالتربية والتنمية والتقوية والوقاية من الأمراض على اختلاف أسبابها وأنواعها والعلاج بكل الوسائل النافعة ماديا ومعنويا لأن العلم، كما جاء في التراث الإسلامي، علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، وهما مترابطان.
إن الغاية الحقيقية من الطب ينبغي أن تكون الحياة الإنسانية السليمة ماديا ومعنويا وأن يلقى الإنسان ربه بقلب سليم.
12) إن أهم ما ينبغي الالتفات إليه هو الصورة الحقيقية لا النظرية للإنسان وإرساء قواعدها العلمية إلى صفائها غير مشوبة بمذاهب أو أفكار مسبقة قريبة من الظن بعيدة عن العلم، والاهتمام بالبيئة الممتدة، بين عالم الشهادة وعالم الغيب من عوامل مادية وعوامل روحية.- والنتيجة النافعة للجسم والنفس مرتبطة بمراتب النفوس في رقيها الروحي وقيمة الإيمان والإرادة وحسن التوجه كما هو ملاحظ وكما ذكرناه في البداية.
13). (ن الطاقة الروحية في تلبية طلبها تعلو بقدر ارتفاع النفوس في مراتبها من الاستشفاء الخاص إلى إبراء الأكمة والأبرص عند الأنبياء والمقربين.
14) إن الأخبار والمشاهدات الطبية في سائر الحضارات والديانات تؤكد ذلك.
(اقتراب المادة والمعنى وتلاقي المحسوسات والمعقولات :
إذا كان كما قيل العلم علمين علم الأبدان وعلم الأديان، فإنه يتبادر إلى الذهن أن الطب وهو أقرب المعارف لذات الإنسان يمكن أن يعرض على شكلين اثنين طب مادي يستعمل الجراحة والعقاقير، وطب معنوي ينطلق من الذهن والإرادة العازمة إلى الخشوع والتفكر العميق بمقتضى عقيدة معينة أو معرفة راسخة.
ولقد أخذت هذه الفكرة الأخيرة تتبوأ تدريجيا مكانا مرموقا عند عدد وافر من الأطباء في العالم كله عندما يقولون: ما معناه: لو علم الناس ما للطاقة الروحية من فائدة علاجية على الجسم والنفس لتخلى واستغنى الإنسان عن استعمال كمية وافرة من الأدوية التي في معظمها لا تعالج إلا الأعراض ولا تنفد إلى الأسباب بأي وجه من الوجوه.
ولقد أخذت الناحية الروحانية ووسائلها العلاجية تتسع آفاقها بقدر ما يتعمق التفكير والبحث العلمي فرب معنى المادة وفي تحديد صورة الإنسان.
فلقد انتهى علماء الفيزياء وفلاسفة العلوم التطبيقية إلى القولى ب: " لا مادية المادة ولا شيئية الأشياء!" " ولا جوهرية الجوهر آه، وذلك أنهم لما واجهوا الحد غير المتناهي في الصغر للمادة بعد تجزيئي المادة وتقسيم الذرة إلى أنواع كثيرة من الكهارب على أشكالها المختلفة والمتعددة، وقفوا في النهاية عند مفهوم الطاقة الالكترومغناطيسية والتجوال في مجال من العمليات الرياضية بحيث اقترب المبنى المادي للأشياء بالمعنى المجرد للمفاهيم العلمية العامة.
بل تجاوز بعضهم هذا المدلول قائلا: إن وجود مفهوم الإلكترون والطاقة الإلكترونية بالنسبة للإنسان لا يفهم حقيقة الا إذ أضفينا معنى روحيا على صورته في أذهاننا ويسمى العالم الفيزيائي الفرنسي جان شارون و الكهرب أو الالكترون الحامل للروح كما يتخيله بكلمة "ايون .
يقول هذا العالم الفيزيائي: " لقد حاولنا تحليل التفكير كأنه عملية نفسانية بسيطة لكل واحد من الإلكترونات التي تتكون منها عضويتنا، ولكن كما رأيناه بكل وضوح، أن عقلنا الذي يشبه الروح الموجودة في الكهارب يقوم هو أيضأ بعملية التفكير كلما تصدينا للقيام بعمل أو كلما حاولنا تكوين فكرة جديدة أي أننا نبتكر مدلولات جديدة انطلاقا من المعلومات المخزونة في الذاكرة.
"وعلى مستوى أكثر عمقا إن ما نسميه التفكير يسلك أيضأ ميكانيكية التأمل والتفكير وإن الإنسان ليتفطن على ضوء ما قلناه إلى الأهمية البالغة التي تكتسبها المواقف الروحية بفضل التأمل ".
" فإنه لا بد لنا من أن ننتبه إلى ما نكسبه من جذور روحية ممتدة على ملايين السنين في الماضي، وهذا يكون
حقلا واسع النطاق من المعرفة المكنوزة في عميق لا شعورنا... ".
" ولكي تبرز هذه المعرفة إلى ذاتنا الواعية، لا بد أن نفسح المجال لالكتروناتنا حتى تتقوى عملية التأمل أي
حتى نكتشف إشارات اصطناعية قادرة في الوقت المناسب أن تقرأ وتؤول في ذاتنا الواعية على شكل رمزي
" إن التفكر في المستوى البشري يكتسي شكلا آخر... " عندما يضطرب الجسم البشري، نسأل أنفسنا ما
الذي يكسب الوسائل لإرجاعه إلى حالته العادية؟ إنها طبعأ الكتروناتنا نفسها. وما صحة الجسم إلا انسجام نفساني لا يوناتنا، " .
" عندما يصاب الجسم أو النفس بمرض فإن ما نفعله عادة هو التوجه إلى الطبيب، أو على أقل تقدير هذا ما
يفعله إنسان اليوم. إلا أن الحيوانات والنباتات لا يجري عليها نفس الشيء بنفس الكثرة ".
" وليس الغرض من كلامي هذا هو التقليل من أهمية دور الأطباء ولا من كثرة الأدوية التي يوصي بها كدد كبيرمن
الأطباء لمرضاهم. ولكن في آخر المطاف كيف ما كان دور الطبيب ومفعول الأدوية فإن الإلكترونات التي يتكون منها جسمنا لا بد لها من الاعتماد على نفسها لاعادة التوازن للجسم المريض، وهنا أيضأ أعتقد أن التفكر يمكن أن يلعب دورا مهما إن الدور والتأثير الذي تؤثر به الروح لعلاج الجسم لم يعد شيئا يدعو إلى التعجب في آخر هذا القرن
العشرين حيث تعددت العلاجات النفسية بالنسبة لعدد كبير من أمراض الجسم. وأظن أنه لا زال هناك عمل كبير ينبغي أن ينجز في هذا المضمار وهو أنه كثيرا ما يزال أطباؤنا يعبترون المريض كجسم فقط حيث لا تلعب الروح إلا دورا منفعلا... ".
" إن سبب الأمراض العميق هو اضطراب في الوظيفة الروحية لايوناتنا لأن هذه الأيونات كان لها أن
تقبل معلومات لا تستطيع أن تجانسه بينها وبيمن مخزون المعلومات التي كانت عندها وتلك المعلومات تنبع من الذات الواعية أي من تجربة الحياة اليومية. والسبب في نجاح بعض الوسائل العلاجية مثل التداوي بالإبر هو أن الكتروناتنا هي التي تصاب بالمرض، وهذه الوسائل العلاجية تعمل في ميدان التوازن الكهربائي للجسم والحاصل طبعا من توزيع الشحنات الكهربائية في جسمنا، غير أنه ما هذا العلاج بالإبر إلا علاج يؤثر في المظاهر الثانوية للمرضى، أما السبب العميق.. فهو في مستوى الروح التي تحملها الأيونات سن والتي ينبغي فيها أن تقوم بعمل بالإضافة إلى عيره. فمن منا لم يجرب في نفسه ذهاب الألم في نقطة معينة من الجسم بمجرد تركيز الفكر بواسطة التفكير حول هذه النقطة من الجسم ولا زلنا نجهل الكثير من قدرة الروح وتأثيرها في سير وظائف الجسم:
إن اللا شعور هو الذي يتكفل بالوظائف الانباثية الرئيسية مثل التنفس والهضم. ولكن هذا لا يعني بأنه لا فائدة
في فتح تجاوب بين الوعي أو الشعور وبين هذه الوظائف اللاشعورية للجسم وذلك من أجل التوازن الجسماني ولكى يحس الوعي بقيام هذه العمليات اللاشعورية، الشيء الذي يمكنه من الانتباه قبل وقوع المرضى إلى اضطراب هذه الوظائف اللاشعورية كما يمكن الشعور أو الوعي من أن ينجح بكيفية أسهل عن طريق التفكير في معرفة مساهمته لإرجاع التوازن إلى عملية لاشعورية أصابها اضطراب، ولقد أوصى حكماء الهند بالنصيحة الآتية: " أحسوا بتنفسكم وانتبهوا إلى أهميته وحاولوا التأثير عليه بواسطة الذات الواعية... " " وهكذا يظهر التفكير كعملية ذات أهمية بالغة لكل تطور روحاني في الكون، هذا التفكير يتجلى على مستوى الالكترون الواحد كأنه الطريقة الصالحة لتنظيم المعلومات الأتية من العالم الخارجي وترتيبها في نسق منسجم له دلالته والذي يمكن من تحضير العمل للمستقبل.... ".
ومن هنا أخذ يتضح في أذهان الاختصاصيين في علم الفيزياء وعلم النفس وعلم الحياة أي البيولوجيا وبعض الفلاسفة أن الفارق الكثيف الواسع الذي كان يفصل سابقا بين المادة والروح والمعنى والمبنى أخذ يتضاءل ويضمحل تدريجيا ولذلك ضاقت الفجوة المفتعلة التي كانت تفرق بين الجسم والنفس وتبادل التأثير بينهما خصوصأ في ميدان الطب وقاية وعلاجا على أساس اضمحلال المادة من الجزئيات إلى الذرات ثم إلى الإلكترونات ومنها إلى مفهوم الطاقة الذي لا يبقى بعده إلا المعاني في التصورات المجردة أو المعادلات الرياضية. وتصبح المادة هنا ليست سوى مجموع علاقات أو نسب تترجم للذهن حركات وطاقات كهربائية مغناطيسية تتفاعل مع بعضها بعضا .
فإذا تصورنا مجموعة خلايا الجسم ومكوناتها مركبة من مواد كيميائية وحركات فيزيائية أقصى حدودها في الصغر
هي الجزئيات الالكترومغناطيسية ثم الحركة المحضه الخالصة يسهل علينا تطور التشابه بين وظائف الذهن ووظائف هذه المادة الجسمانية اللامتناهية في الصغر وتبادل التأثير بين الذهن والجسم، أي الفكر والمادة، خصوصا في ميدان الطب قصد المحافظة على التوازن الجسماني والنفساني والانسجام داخل الجسم في وظائفه وداخل النفس في وظائفها من جهة كل على حدة وبين الجسم والنفس كوحدة الشخصية الإنسانية من جهة أخرى.
عندما نتصور الإنسان كوحدة إيقاعية (ث!لماه فيه* ع !* ا) فإنه لا تبقى هناك غرابة في قبول فكرة العلاج الرو حي
ومفعوله القوي وأثره الفعال الجسماني والنفساني على السواء.
لقد مرت في العصور القريبة العهد فترة تاريخية طغى فيها التفكير المادي على البحث العلمي وانتشرت فيها
موجة الإلحاد التابعة له فأصبح من الصعب بسبب ذلك إعارة أي اهتمام العلاج الروحي اللهم إذا كان مقتصراً على التنويم المغناطيسي أو الإيحاء أو على وجه مشوه للتحليل النفسي البطيئى الممل والقائم على صورة مشوهة للنفس البشرية كما هو معلوم في المذهب الفرو يدي وما يجري مجراه. وما كانت العاقبة لهذا التشويه سليمة من الشوائب في
حد ذاتها، بل نتج عنها بلبلة الأفكار واضطراب السلوك الفردي والاجتماعي الشيء الذي نشر الحيرة عند عموم الناس وتمزق المذاهب وتعددها عند الاختصاصيين في الطب وعلم النفس والعلوم الإنسانية قلنا إنه مر على الطب الحديث زمن طويل وصورة الإنسان تتجمد في قالب المادة لتصبح ضعيفة الشكل، هزيلة المعنى، وبالتالي مشوهة كما قلنا حتى دفع الإنسان فردأ وجماعات ثمنا غاليا لهذا التشويه والتجميد المادي الصرف لصورة الإنسان.
فإن العالم الذي نعيش فيه يشكو من اضطرابات نفسية متنوعة وجسمية متكاثرة يلخصها الرأي العام الطبي في
عبارة " أمراض الحفارة " مع ما لهذا التعبير من التناقض المدهش بين كلمة " حضارة " وكلمة " مرض " إذ لو كانت هناك حضارة مثالية كما ينشدها العقل والقلب لكانت غير مشوهة بالشوائب الفكرية والخلقية ولما ظهر فيها هذا ا (حدد الكبير من العصابات والذهانات وأمراض أغلب الأجهزة الجسمانية.
فإن ما يسمى بالمدنية اليوم أخذ يتميز بكلمة تلوث البيئة Pollution ومنها جسم الإنسان وتلوث النفس، منها
قلب الحقائق وتزوير المعرفة والإرهاب الفكري الأديولوجي وعرض صورة الإنسان كحيران.
وطبعا، لا ينتظر أحد تبول العلاج الروحي ورؤية فائدته في هذا الجو العكر و" على قلوب أقفالها
إن الطب الحديث لا زال يبحث عن صورة الإنسان التي تتلخص في عوامل نفسية حتى لا يتلفظ بكلمة روج بل
وبكلمة نفس، وفي عوامل جسمانية هي وظائف الأعضاء من الناحية الفيزيولوجية:
لى) إن الطب الحديث رغم مجهوداته المتواصلة يصرح بعجزه عن حل مشكلة الإنسان وخصوصا العلاقة بين
النفس والجسم، ويترك العقل في حيرته وارتباكه في ميدان المحرفة، فكيف يمكن للطبيب أن يطمئن إلى عما 4 وهو حيران في تصوراته؟.
2، إن علماء النفس أخذوا يفرون من الخوض في تعريف النفس وهذه هي سياسة النعامة.
3) إن بعض الأطباء يعترفون بكون الإنسان عموما والنفس خصوصا ترتبط في نفس الوقت بميدان الطب
والعلوم والفلسفة على السواء- غيرأن المنهاج الفلسفي يقع في تناقضات عندما يقتصر على الصورة الجسمانية دون النفسانية ويقول إن الإنسان يملك جسما وهو أيضأ ذلك الجسم كما لو قال إن الإنسان يملك بيتأ وهو ايضا ذلك البيت، فلا يعقل أن يكون الشخص هو ما يملك، ولذلك كانت الطريقة الفلسفية غير مرضية. ولهذا يلص الطب الحديث إلى ترك المسألة بحسب قول القائل كم حاجة قضيناها بتركها.
4) إن صورة الإنسان أخذت تتقلص تدريجيا حتى صار معنى الإنسان ماديا صرفأ، وبالتالي غامضا مبهما أدى
إلى أزمات نفسانية ومضاعفات مرضية كانتشار الرفض والتمرد والعصابات والذهانات والعدوان، وغير ذلك.
وهذا التقلص وليد الحركة الفكرية الوضعية والمذهب الواحدي المادي. فضاعت قيمة الروح وذهبت معانيها الحقيقية أدراج الرياح، ثم تلاشت قيمة العقل وشرفها بعدما وصفها الماديون كإفراز للدماغ وخصوصا بعد ما انهارت ثقة الإنسان بنفسه وبأفضليتها على كثير من المخلوقات، وذلك كنتيجة للنظرية الداروينية. فبطل القول بالروح وحمل بعض المفكرين على العقل في الفلسفات اللاعقلانية، وتنكر بعض علماء النفس لكلمة " نفس " وأخذوا يتحدثون عن "السلوك ".
وبما أن العلوم المادية بحسب العقلية الجافة المعاصرة لا ترضي رغبات الإنسان في معرفة صورته ومدلوله وغايته في الوجود، فإن بعض المفكرين صرحوا بعدم جدوى هذه العلوم، فقال " جان بول سار تر " مثلا: " إن العلوم لا تهمني ". وبالتالي لم يبق للإنسان وسيلة لحماية وجوده من القلق والضجر ومعنى العبث المرير وانتشار السلوك السوداوي كما انتشر في بداية القرن التاسع بما أصبح معروفا في تاريخ الأدب الغربي والفرنسي،، خصوصا " بداء العصر " وأصبحت الحياة بح!سب تعبير بعض أدباء هذ العصر صورة حسية قائمة على ثالوث جاف يابس خسيس! هو حب المال والأنانية والفردية، وهو الشعار الرسمي الذي كانت الدوائر الحكومية تنصح به رعاياها:
" الزموا بيوتكم وعليكم بخاصة أنفسكم " فلا عجب من النهاية الوخيمة التي تميزت بموجة الانتحارات بعد الفوضى والفساد في النفوس وتكاثر الأمراض الجسمانية النفسانية وحتى قال بعض العلماء بوجود النفس، فإن ذلك يقتصر على غاية مكتومة في طي الخفاء وهي إرضاء العقيدة الدينية عندهم.
5) أما في هذه الأيام الأخيرة، فإن البحث الطبي أخذ يقتنع شيئأ بضرورة القول بوجود النفس أو على الأقل بعوامل نفسية واضحة تؤثر تأثيرا عميقا في جسم الإنسان مثلما يفعله الإرهاق والتوتر العصبي والأزمات العنيفة.
6) إن الطب الحديث يعترف بوجود مذاهب متباينة منها المادية الواحدية كما سلف ذكره التي لا تقبل إلا الجسم، ومنها المذهب الثنائي الذي لا ينكر وجود عاملين اثنين هما الجسم من جهة والنفس من جهة في وحدة متكاملة هي ا الإنسان أو "الشخص " بكيفية أدق.
"7) إن العلاقة وثيقة في الحياة اليومية بين الجسم والنفس والتنبيهات الجسمانية تصير استجابات نفسانية والعكس بالعكس.
إن الملكات النفسية من وعي وانتباه وتوارد الخواطر وادراك وتعقل وحكم وتفكر وفهم وذاكرة وإرادة وعزم وتقرير ومواقف وسلوك ومفاهيم وعواطف وشهوات وهوى ومشاعر وانتقاضات وغيرها، كل ذلك يقوم على) ساس جسماني على أقل تقدير فيما يعلق بسلامة الدماغ والغدد وتأثر النفس بالبيئة والظروف وتناول الأطعمة والعقاقير السامة والمسكرات التي يتغير السلوك الذهني بمفعولها.
ثم إن العوامل النفسانية لمما أثر واضح على الجسم خصوصا فيما يتعلق بدقات القلب وضغط الدم والتمثيل أو
" الاستقلابMetabolism " والقشعريرة ووقوف الشعر والإفرازات والإغماء والخجل والشحوب وغير ذلك.
ولكن البحث الطبي لم يفلح إلى يومنا هذا في توضيح عملية تأثير الجسم في النفس وتأثير النفس في الجسم إلىحد أن الطبيب الفيلسوف كارل ياسبرز "." وصف هذه العملية بكونها عملية من قبيل " السحر والطلسم المصطلح ". بجانب لغز قلب الإدراك الحسي إلى إدراك معنوي وحالة نفسية أو موقف نفسي، يواجه الطب الحديث مسألة المركز العضوي للنفس أو للملكات أو العمليات النفسية ومسألة التعين الخاص الذي اتخذت به النفس شكلها واكتسى به الجسم صورته الذاتية خلال مراحل التطور حسب تصور البحث العلمي الحديث حيث يظهر الجسم كعامل للإحساس والحركة وتظهر النفسي كصورة مبهمة وهل
هي مادية الجوهر أو غير مادية أو أنها معنى بدون مادة وهل هي جزء من الجسد أم هي مستقلة سابقة الوجود قبل تكوين الجسم وغير ذلك من النظريات الفلسفية والدينية والطبية التي لا حاجة لذكرها في هذه العجالة.
غير أن النتيجة التي وصل إليها علم السلوك الأمريكي هو علم النفوس بلا نفس وتغليب النظرية المادية علي
غيرها وأن الإنسان حيوان لا زائد ولا ناقص جسمه آلة تحركها وظائفها الفيزيولوجية وما النفس إلا مظهر من مظاهر تلك العمليات الوظيفية.
8) ثم جاءت الماركسية ومذهبت جمود المادية حتى صارت شبه دين متعصب عتيق عدواني قفل أبواب
النقاش والبحث العلمي النزيه وألجمت أفواه العلماء بلجام من نار وضيقت صورة الطبيعة في شكلها المادي.
و) وعلى أثر ذلك التجمد تكاثرت تساؤلات علماء النفسي والأطباء عن إم!صان الحياة النفسية والعقلية ضد
الطفل المولود) عمى وأخرس دون احساسات لمسية كما ينبه إليه " كريتشمير " " فكيف يتأتى كل ذلك إذا كانت المادة هي أصل الحياة النفسية ومنبع العمليات العقلية؟ ".
15) إن المجهودات المبذولة في العصر الحاضر آلت إلى تضارب الآراء وتكاثر النظريات وتضاعف الصعوبات
أمام وجود الحل لمشكلة الإنسان وعلاقة النفس بالبدن والحصول على صورة واضحة لتعريف الكيان الإنساني قصد إدراك مدلوله وتوضيح طرق العلاج للمضاعفات المرضية وتفهم تأثير المعنويات في الحسيات وتأثير الحالات النفيسة على الجسم كما يرغب البحث العلمي اليوم في تفهم العلاقة بين الجسم والبدن لكن " كارل يسبرز " أبرز و جه الصعوبة في ذلك إذ قال، إن الذات الإنسانية شيء صعب المنال ينفلت من قبضة الباحثين.
ولا زالت المجهودات مبذولة دون الوصول إلى القول الفصل لتعريف النفس والإنسان.
III وحدة الإنسان ومقوماته في التراث:
الإنسان وحدة متناسقة كل جزء منها مسئول عن أعماله كالنوايا الحسنة أو السيئة وكالاعتدال في التغذية
وطهارة الجوارح من الخبائث والذنوب والمعاصي والمرض الكبير المجهول أو المنسي على أقل تقدير وهو الجهل الباعث على ظلم النفس وظلم الغير والمعرض لكئير من الأمراض الجسمية والعقلية والنفسية.
أما وحدة الإنسان وصورته في التراث الإسلامي فإنها رر!الر شمولية تامة تتميز عن غيرها بلم وجمع شتات إنسان
الذي تبعثرت مقوماته في الحضارة المادية.
إذا كان الطب الصيني ينفرد بتشريح خاص للجهاز العصبي، فإن النظرة الإسلامية للإنسان تنفرد بالإتمام والإكمال في تكوين الإنسان وعرض صورته التي خلقت في أحسن تقويم والتي تتركب من مقومات كثيرة منها:
ا) الجسم وهو نقطة الوصل بين العالم وبين الإنسان وبينه وبين نفسه.
2) النفس هي ذات الإنسان المسئولة والقابلة للتربية والتسامي والقرب من الله.
،) العقل وهو المكلف برسالة الإنسان في الأرض.
4) القلب والحامل لنور الله وشريعته والإيمان بهما.
5) الروح. وهي النفخة الربانية المضيئة على النفس بعد رفع الحجب والنزعات الظلمانية والتفتح لعالم الأمر
والمؤهلة لخرق ما هو عادة وقوانين مألوفة وبها يمكن التصرف والنفوذ باذن الله وفراسة المؤمن وتصريف الطاقة البشرية.
كان السلف الصالح حريصا على معرفة الإنسان ونفسه لوقايته من الأمراض الفردية والاجتماعية بالمحافظة على الكتاب والسنة والشريعة. لقد توسع التراث الإسلامي في الكلام عن الروح والنفسي مع إعطاء مفهوم واحد لهما في أغلب الأحيان رغم ورودهما في القرآن الكريم والحديث الشريف بمعان مختلقة.
ولكن في هذه العجالة الخاطفة نقتصر علي عرض الصورة الآتية للإنسان بحسب ما يتبادر إلى الذهن عند المتأمل في الوجود والتراث.
- إن الجسم هو الصورة الظاهرة للهوية الإنسانية التي تتميز عن صورة الحيوان بإضفاء معنى الحياة المسئولة
النيرة لأعضاء الجسم الذي خلق من أجل غاية شريفة.
فالجسم بهذا المدلول يرادف معنى الجوارح أي أنه مجموعها أو مجموع الغايات التي خلقت من أجلها. إن الجاحد يراها جملة أعضاء لا تشتمل على حياة خاصة دقيقة المدلول تقوم بوظيفة شريفة لا يجوز الحط من قدرها والتلاعب بحركتها وجهل غايتها وأن هذه الجوارح عمياء كالغريزة كما هو الحال عند الحيوان: لكن اليد مثلا خلقت للعمل المثمر لا للبطش والسرقة والعدوان والتحريف والتزوير و هلم جرأ بل هي وسيلة الإنتاج والعبادة. وكذلك الأمر بالنسبة لسائر أجزاء الجسم التي خلقت لتستنير بتعاليم الدين من عبادات وشريعة لتزكية النفس وشفائها في دائرة الطيبات والحلال والإحسان ووقايتها من الخبائث والحرام والإفساد.
- النفس ومراتبها عديدة منها ما يلي:
أ) النباتية التي تشبه النبات في الحياة والنمودون انتقال من مكان إلى مكان، ولكنها كسائر المخلوقات التي لا
تفقه تسبيحها تجول في عالم التسبيح وهي على شكل جنين في بطن أمه.
وفي هذه المرحلة لا بد للأم أن تحافظ على الطمأنينة والرضى والتوازن في الحياة المادية والمعنوية (وقاية من المضاعفات الوخيمة عليها وعلى الجنين) عن طريق الراحة والاستقرار- وأفضل وسيلة للتطمين والهدوء هي الصلاة والذكر واجتناب الأدوية جهد المستطاع لأنه لا يعلم مفعولها بكيفية تامة وقاطعة حتى يسلم الجنين من التسممات وا لتشو يه.
2) النفس الحيوانية عند الرضيع الذي كان موصولأ بأمه بحبل من دم الأمومة فأصبح مرتبطأ بها بحبل من لبن.
وحبل من حنان وحرارة أحضانها ونعومة قبلاتها وسعادة عطفها عليه وحبها له والرضيع لا زال في جو البراءة والتسبيح. كل ذلك وقاية من رعونة الطبع المكتسب والشعور بالحرمان بعد ضياع الأم في اليتم أو خروجها من البيت للعمل وتعريض الأولاد للأخطار النفسية والتربوية والجسمانية كالحريق في المطبخ وتناول الأدوية السامة أو عقاقير التنظيف فضلأ عن قسوة الخادمة المحتملة أو عدم كفاءتها وجهلها بطرق الرعاية ولطافة النفوس الفتية.
وفي هذه المرحلة يتفتح الذهن للادراكات الحسية ثم الادراكات المعنوية بحيث يتطلع الرضيع للعالم الخارجي قبل معرفة نفسه عن طريق السمع والبصر الفؤاد المدرك.
وهذا تدرج طبيعي يجب على التربية مراعاته لمسايرة هذا النمو المعنوي وتبليغ عاطفة حب الغير قبل الناس
حتى يترعرع على رعاية حقوق الله في المستقبل وهو شاب ثم بذلك يسهر على رعاية حقوق الناس ليتمتع بالثقة الله وحسن الظن بالناس ويحارب في مراهقته وشبابه كثيرا من الأمراض المزاجية والنفسية من هذيان أي جنون العظمة أو المبالغة في الحالات الدائرية من هوس وسوداء وغير ذلك.
وما يلاحظ كل ذلك إلا لكون الأنانية وحب الذات والتملك والغلبة والسيطرة والصراع والفوز والاستيلاء تظهر في مرحلة الطفولة الممتدة بين الصبي والمراهقة وبداية الشباب.
وهنا يظهر نمط آخر للنفس هو:
3) النفس الأمارة أي الأمارة بالسوء- وقد نسمع قول عامة الناس " إن الطفل عندما يتعلم التصفيق ف غط مفاتيح الجنة من يده " إشارة إلى أن أحسن تقويم أخذ تدريجيا يرد أسفل سافلين بالأنانية.
وحفظا لسلامة النفس لا بد من الحض على التربية الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية خصوصا لمحاربة
أجراس الأحداث وانحراف ط السلوك وانتشار القلق والضجر والتلوث الفكري وتسممات الجسم والبيئة وتشتت وحدة الأسرة ووحدة الأمة وضياع التوازن والاستقرار وغير ذلك من أسباب اضطراب الفرد وانحطاط الأمة.
وعن طريق التربية الدينية أولا والتعليم الصحيح ثانيا والاستفادة من الميول الفطرية نجد الحق والخير والجمال، تنمو الصورة الأخرى للإنسان وهي:
4) النفس اللوامة أو بتعبير اليوم ذلك الضمير الحي المتجه نحو الغايات النبيلة الثلاثة: وهي الحق والتقوى والبر التي تكون بجانب الرياضة البدنية أقوى رياضة معنوية للتزكية والسمو الروحي ومتانة الشخصية على العكس من الشخصية المائعة في حضارة الغرب الغازية والمعرضة للأمراض النفسية والأمراض العقلية وتحريف الحقائق وتشويه المعرفة فما يسمى بالعلوم الإنسانية وما ينتج عن ذلك من انهيار الشخص والأمة معا أيضأ.
5) النفس المطمئنة وهي المتميزة بالاستقرار والتوازن والاعتدال ومتانة الرأي وصواب الحكم استنادا إلى الوحي الإلهي في الكتاب والسنة ونماذج السلف الصالح لتحيا حياة طيبة بعيدة عن طغيان الجاه والمال والشهوات والأهواء والفساد مستوفية الشرط الأساسي للحياة الطيبة وهو الاستجابة لله وللرسول إذا دعاها لما يحييها.
وهي تعلم أن الله سبحانه وتعالى رحيم بالعباد يمتحنهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأيهم الصابرون وذلك، بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرأت ومنها الصحة ليعتبر أولو الألباب وليبشر الصابرين ويجعلهم من المهتدين كما يقول القرآن الكريم وكم من حالة مرضية في عيادة الطبيب خفت وطأتها وتحسنت عاقبتها بالإشارة إلى فائدة التأمل والتفكر والصبر عندما يرى المريض حقيقة الوجود البشري.
وعن هذه الطريق تصبح النفس راضية عن ربها وعن الحياة التي خلقها فتنغمر في جو التفاؤل والرجاء،- الشعور بالسعادة وتتغلب على الأضرار وتكون هي:
6) النفــس الراضيــة الــتي تــرى نظــام الكون فتحب خالقه وتتمتع ببهجة الحق فيه لا بطغيان الباطل الذي لا محالةيزول ويمحق لأنه كان زهوقا في صميم طبيعته كالساحر الذي لا يفلح حيث أتى فيقهره ذكر الله.

ولو كانت الحضارة الغربية المعاصرة على بينة من حقيقة النفس الراضية لما ظهرت عندهم الفلسفة الوجودية الملحدة بقلقها وضجرها ولما ظهرت فتنة الاديولوجيات المادية اليمينية واليسارية على السواء ولما شوهد التقليد الأعمى عند الأفراد الذين ألقوا التبعية واستسلموا للغزو الفكري ومركب النفس والافتتان بالتيارات الحديثة ظنأ منهم أنها تتضمن حقائق لا أباطيل وهو شيء خطير على سلامة العقل أن النفس المطمئنة والراضية والمرضية والعارفة بالثه والمقدسة فضلا عن الكاملة مستجابة الدعاء لها ولغيرها مقبولة الطلب والصلاة في حالة الصحة وحالة المرضى والكروب والابتلاء.

إن النفس الراضية هي التي توجه قلبها لثه وتعلقت همتها به فاستجاب لها وقبلها في حضرته المقدسة وألهما
أنها مقبولة في نظام الكون الظاهر والباطن لها هيبتها ومكانتها في وسطها وقدرها في العالم الأعلى كان التجاوب بينها وبين الوجود الواسع يشبه الانسجام والإيقاع الموسيقي فتصبح بذلك:
7) النفس المرضية المقربة من النور الإلهي والحضرة الربانية اكتسبت فراسة المؤمن الذي ينظر بنور الله كما
جاء في الحديث الشريف ويرفع الحجب الكثيفة عنها بعدما تحكمت في الأهواء والشهوات واعتصمت بحبل الله ودخلت عالم الروح الذي يبتدئ بالمعرفة بالله والانسلاخ عن بشريتها وأتمت تطهيرها بماء الغيب وهو اليقين بدرجاته العلمية والعينية من علم اليقين وعين اليقين واجتهدت في إدراك آيات الله في الآفاق وفي النفس حتى يتبين لها أنه الحق وصارت بذلك:
8) النفس العارفة بالله العالمة لما لها وما عليها من أسرار العبادات والشرائع ورعاية حقوق الله وحقوق الناس وحقوق أجزاء الفرد البشري الخ قصد المزيد من العلم والتطهير الروحي الذي هو على طرفي نقيض من التنفيس المشوه الوضيع في علم النفس الحديث- وبهذا التطهير !تتضاعف الطاقة الروحية بغية العلاج.
وبعد هذه الدرجة تأتي درجة أخرى هي:
9) النفس القدسية التي يتولاها الله سبحانه وتعالى ويفتح لها باب العروج في سلم الارتقاء ودرجات القرب
والعلم والتصرف والهـ وحانية العظمى والتي يصبح الخالق سبحانه وتعالى هو سمعها التي تسمع به وبصرها التي تبصر به ويدها التي تبطش بها وهي أيضأ درجات عند الأولياء الذين يقول عنهم القرآن الكريم (الذين آمنوا وكانوا يتقون ! ولم يبق بعدها الا:
10) النفس الكاملة الكمال البشري، لا الكمال الإلهي الذي هو لرب السموات والأرض سبحانه، وهذه النفس الكاملة هي النفس المحمدية التي عصمها الله من الناس ومن غيرهم بالفتح والنصر والتي كانت قاب قوسين أو أدنى.
وانطلاقا من المرتبة القدسية ترتفع الحجب عند المقربين الذين يشهدون الكتاب المرق ويتجلى نور الأرواح بصفائه الرباني وقوته لخرق العادات.
إن هذه الصورة المعروضة في النقط العشرة تعطينا نظرة مختلفة تمام الاختلاف عن الشكل الذي تعودناه في
علم النفس الكلاسيكي المعاصر !في الجامعات الغربية والشرقية المقلدة لها تقليدا روية فيه ولا إمعان النظر. فبينما ترتفع النظرة الإسلامية إلى معارج الارتقاء في الأسباب للسمو المعنوي والنمو الروحي إذ بالسيكولوجية الغربية تتخبط بعض الأحيان في مجردات أو ملاحظات جسمانية ومقارناته مع الحيوانات حتى نزلت إلى أسفل الدرك مع
BEHAVIOURISM سلوكية) WATSON * (واتسون) مثلا إن ما نجنيه من ثمار التراث والنظرة الدينية هو الجمع بين العلم والعمل وتصديق هذا لذاك فيكون العلاج الروحي من تأمل وتفكر وصلاة ودعاء وتقوى وورع وصبر وثبات ويقين ورجاء ونوافل وصيام وصدقة وتلاوة القرآن وغيرها قائما عاى إدراك وتفهم وتجارب عند المؤمنين العاملين فض ملأ عن التجارب المعاصرة التي أجريت مؤخرا على بعض رجال الدين في آسيا كما سنراه فيما بعد.
لكن هذا الموقف المتفتح يقتضي استعمال كلمة العقل بمعنى واسع وتعريف أعمق من مدلوله الضيق في
مناهج العلوم التطبيقية:
III العقل أشرف وظيفة عر فانية وأرقى ملكة معنوية تنطلق من الرشد و النضج النفساني ابتداء من التعلم والته هـف إلى العلم الديني والدنيوي حتى يصل إلى أعلى درجات الحكمة التي إذا اكتسبها الإنسان فقد أوتي خيرا كثيرا وهو أساس المسئولية والشخصية إذا أصيب الجسم بعطب أو مرض فإن ذلك لا يؤثر على الشخصية كالمقطوع اليد مثلا يبقى محتفظا بهويته وإذا أصيبت النفس بهزة عنيفة أو كارثة اجتماعية أوتوتر مزمن فإن ذلك لا يمنع صاحبه من مزاولة أعماله ولو بكيفية غير مرضية. أما إذأ ضاعت الذاكرة أو استولت عليه ألا هلاس أو استفحل الهـ ذيان أو ظهر الفصام أو السوداء الوخيمة وغير ذلك فإن الشخصية تنهار وتضمحل نهائيا ويصبح الشخص اسما، بدون مسمي .
من ناحية ثانية إذا احتفظ الإنسان! بسلامة العمليات الفكرية في التعلم والعمل والمناهج العلمية المادية التطبيقية دون اعتبار لآيات الله في الزمان والخلوة وفي عالم الغيب وعالم الشهادة فإن ذلك يجعله متمتعا بالفكر لا بالعقل إذ لا عقل لمن لا دين له كما يقول الرسول عليه السلام.- وسوء استعمال العقل أو نقصانه أو تخديره بالمسكرات مثلا والأفكار الباطلة ينزله منزلة الحيوان الذي يأكل ويشرب ويتناسل ويتصارع ثم يصير ترابا لامنى له وهذا ما يؤدي إلى العبث المشهور في المذاهب الفلسفية الوجودية الملحدة وهو نوع من المرض الذي لا علاج له إلا الإيمان (في قلوبهم مرض سورة البقرة أ ويتجلى لنا من خلال هذا التعريف أن العقل في تعاليم الإسلامية هو أساس التكليف والأمانة وهو أيضأ الطريق الناجية من الظالمات والاضطرابات النفسانية والاجتماعية كالانتحار مثلا.
وبناء عليه فإنه من الواجب أن تظهر المعرفة خصوصا في ميدان العلوم الإنسانية من الدس والتحريف والشيطنة والتزوير على يد المفسدين في الأرض وذلك لحفظ سلامة الجسم والنفس والعقل والمجتمع من فتك الأمراض الناتجة عن المحرمات والمنكر.
تبقى كلمة عن أسرار التحريم للمسكرات والمخدرات التي تذهب العقل والتوازن النفسي فإن ذلك دليل إضافي علي وجوب الاعتصام بالشريعة كعامل أساسي لحفظ الصحة الشخصية للفرد والمجتمع كله في دائرة الحكم بما انزل الله ومن هنا يتضح لنا جليا ذلك الترابط بين علوم الأبدان وعلوم الأديان.
فالتحريم معناه منع الخطر والضرر كالضوء الأحمر في قانون السير والحلال معناه الطيبات الضرورية للتنمية والتزكية ومنها زينة الحياة المرفهة عن النفس والمخففة والمفرجة للكروب.
7 (القلب: هو مركز النية والإيمان والإخلاص والذوق السليم والإلهام والنور الذي (يقذفه الله فرب القلب) بحسب تعبير الأمام أبي حامد الغزالي وأ هم ما ينبغي اعتباره بالنسبة إليه هو التوجه بمعنى استقبال قبلة الله النورانية لا
قبلة الأهواء الشيطانية الظلمانية.- فهو مركز الهداية أو مركز الضلال!.
لقد قيل إن القلب من التقلب فلا بد له من الاستعانة بالعقل النوراني الواسع والاعتصام بحبل الله أي بالشريعة
الغراء لأن العقل! نور الشرع والشرع عصمة العقل من الخطأ أو طريق الفتح وبذلك يكون للناس (قلوب يعقلون بهاء كما جاء في القرآن الكريم..... حتى يسلكوا سبيل الهداية.
وكل زيغ وقع في العقل أوفي القلب يقود إلى مرض القلوب وطمس البصيرة واستيلاء الأفكار المزورة والمحرفة كالأيديولوجيات وبعض التيارات الفكرية والفلسفية المؤدية إلى تفشي الأمراض النفسية والجماعية والأزمات الاجتماعية المنتشرة على أوسع نطاق في عصر الأزمات والانفجارات الذي نعيش فيه.- لأنه " لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور... " وبهذا الصدد أخذ بعض الأطباء في الغرب يهتمون بدراسة الأمراض الناتجة عن سوء المعرفة واضطرابها.
ومما لا بد من ذكره هو أن النظريات تستغل على يد المفسدين في الأرض لنشر الفسق والفجور والمسكرات والمخدرات وفساد الأخلاق وتفكيك الأسرة والدعوة إلى الانحراف الجنسي واعتداء أفراد العائلة على ذويهم وأقاربهم وإيهام الرأي بمعقولية الحمق وقبوله كرد فعل وعملية تكيف ، وتوسيع الدعاية للمذهب الفرويدي والدراويني والماركسي والمادي عموما والإلحادي، والدعوة إلى الانحلال والمتعة والتمرد والجحود، مما يساعد علي إضاؤ! التفكير والأيمان، والتوازن والاعتدال، والحياء والوقار، وحفظ سلامة الفرد والمجتمع وصيانة المباد ئ العليا والقيم الرفيعة وطهارة السلوك: ومما يساهم أيضأ في انتشار الأمراض التناسلية والقلبية والنفسية والعقلية والحضارية ويكثف ما يسميه القرآن الكريم " الران " حتى تصير القلوب عمياء في ظلمات بعضها فوق بعض ويحار الطبيب في حصرها وتقليلها وعلاجها.
خصوصا وأن الإيمان يستقر في القلب وأن أمراض القلوب منها تنطلق هذه الأوبئة وتندلع نيرانها الى الجملة العصبية والملكات النفسية والعقلية وتزعزع أركان الجسم كله بحيث أصبح الطب الجسماني النفساني يمثل تقريبا ا ( 60 ستين فى المائة من مجموع الأمراض .
وكلمة القلب أوسع مما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة ولقد توسع في دراستها التراث الإسلامي بالمقارنة مع
كلمات أخرى مثل الصدر واللب والفؤاد القريبة المعنى فضلا عن ألفاظ تظهر بعيدة عنه نوعا ما مثل الباطن والنفس والذات والروح مما يجدر بنا التصدي إلى دراسته في مناسبات أخرى فيما يتعلق بنور البصيرة الذي تستقر به الحياة في تدبير الصحة والبيت والمدرسة والحكم وبرامج التربية والتعليم والرياضة البدنية والروحية وسائر التدابير التي تهم الطبيب كوسيلة لحفظ صحة البدن والنفس والعقل والمجتمع، لأن تفكك الصحة الفردية والجماعية مرتبط بالجهل المركب الذي انتشر في العالم بأسره عن طريق النظريات والعقائديات الفاسدة بمعونة الدس والتضليل على يد المفسدين في الأرض خصوصا بواسطة السينما ووسائل الإعلام الأخرى.
V الروح: نفخة ربانية بعد تسوية الإنسان:
هذا العنصر هو العامل الفعال الذي جحد القرن العشرين وجوده وحقيقته وأهمل الكلام عنه في حين أنه مركز
الدائرة ومحور الكيان الحقيقي بالنسبة للإنسان وبفضله فدرك مدلول الظواهر العادية والخارجة عن حدود العادة ومنه ينطلق نور العلم والمعرفة الصادقة صاعدا إلى المقامات الرفيعة وأعلى عليين ولو كان الكلام فيه من أصعب
المحاولات التفسيرية فإن مجمل القول فيه يرجع إلى بعض النقط الموجودة في التراث وهو أمر يساعد على تفي3 مدلول الإرادة والحقيقة والسعي والكد والاجتهاد والتصرف الذاتي قصد العلاج الروحي.
إن أهم هذه النقط كما يلي وهو أن الروح:
ا) جوهر نوراني على شكل سيال مخالف للمعلوم من المحسوسات.
2) وهذا السيال يقوم على ذرات مخالفة لصور الذرات التي تخيلها علماء الفيزياء أو دوائر نورانية تخترق الأجسام والأحشاء وتسري فيها سريان النار في المادة.
3) ويمكن أن تفهم الروح على أنها هي النفس ولكنها مجردة من المادة البشرية حتى يمكنها التصرف في هذه المادة ومنها العلاج المسمى بالروحي.
4) هذا الجوهر النوراني قوة عاقلة وعالمة بذاتها وبربها بحسب قوة إمدادها من أصلى منبعها وتفاوت الأرواح على نمط تفاوت الأشخاص في عالم الظاهر في مواهبهم.
3) وحدة لا تتجزأ وسر لطيف متفتح لعالم الأسرار لأنها بطهارة تجول في عالم التسبيح.
6) تتميز بالادراكات الحسية والمعنوية نورانيا!
7) خصائصها منافية لكل ما هو معلوم من خصائص المادة والعادات المحسوسة.
8) تتميز الأرواح كالأجسام للتباين والتعارف.
9) تنطوي فيها انطباعات المحيطات بها انطباع الصور في المرآة!
10) الأجسام تنشأ على شاكلة تشعع الأرواح ذرة ذرة.
11) قوة نورها هو الأصل في نشأة المواهب.
12) لكل روح طاقة وشكل وهي درجات بقدر ما خلق الله من خلق ويؤثر ذلك في درجة العلاج .
13) إن مخالفتها لخصائص المادة تجعلها قادرة على التصرف إلى حد خوارق العادة.
14ا) الغيب مقفول على المحجوب لا على الرائي بفضل فراسة المؤمن الذي ينظر بنور الله ويؤثر بدعائه بإذن فمن خصائص الروح.
أ- سماع الأصوات البعيدة " يا سارية الجبل ".
ب- رؤية الأماكن البعيدة وكذلك تزيد قوة الحواس الأخرى بحيث تصبح مقبولة عند ربها محروسة بعناية ومتجاوبة مع بقية المخلوقات.
إن أسهل صورة عن الروح وقدرتها على الرؤيا الصادقة والتنبؤ الصادق والتصرف بإذن الله هي ما نشاهده عند الأنبياء من معجزات والأولياء (الذين آمنوا وكانوا يتقون، من كرامات ومنها القدرة على علاج الأدواء.
وفي مرتبة أدنى من ذلك نرى أثرا فعالا عند البشر يحسب تقواهم وقوة إرادتهم وتركيز فكرهم وعمق خشوعهم. وخلاصة القول في هذه النظرة العاجلة هوان عالم الروح يتميز بالحياة والإرادة والعاقل الواسع والعرفان الروحي والتأثير السريع والنفوذ القوي والحصانة من المؤثرات المادية والإشعاع النوراني والوجود الحق لقرب المسافة بين المخلوق وخالقه والطهر من الرجس والتحليق في عالم التقديس والتسبيح والعبودية المخلصة واليقين التام والاستجابة الربانية للروح الطاهرة.
العلاج الروحي:
وبالجملة مما سبق ذكره يمكن أن نستخلص ما يلي:
ا) المادة قريبة من المعنى في عالم الذرة بح!سب الفيزياء الحديثة عن الطاقة والحركة ثم المعنى المجرد.
2! الجسم جوارح مسئولة أمام الشريعة والكتاب والسنة وليس بمادة جامدة عمياء كالغريزة الحيوانية.
3) النفس شعور وتعلم وتربية وارتقاء نحو الدرجات العليا بقدر ارتفاع الهمة وقوة الإرادة ونور التقوى.
4) العقل حكم واعتبار ونور للشريعة والشريعة هداية وعصمة من الخطأ كل ذلك لفتح بصيرة القلب.
5) والروح نفخة نورانية ربانية وعرفان وحرية وتصرف يفوق حكم العادة.
6) الإنسان وحدة متماسكة منسجمة متناسقة مركبة من هذه العناصر كلها ويحتاج طبها إلى علم الأبدان كما يحتاج إلى علم الأديان بحسب التعبير المأثور.- عندما يقوله الرسول عليه الصلاة والسلام " عليكما بالشفاءين العسل والقرآن " فمعنى ذلك أن العلاج المادي والعلاج المعنوي يشتركان في المنفعة الطبية وأن الإسلام دين الوسط والاعتدال فلا إفراط في الماديات ولا تفريط في المعنويات لأن الإنسان جسد وروح والكل يتحرك في عالم التقديس والتسبيح.
وميزة الإسلام كما سبق ذكره هي شمولية تعاليمه من جهة وشمولية نظرته إلى الإنسان من جهة أخرى.
فالإنسان محتاج إلى النفوذ إلى قلب المادة وجوهر الأشياء حتى يتفهم عالم الشهادة والأشياء الظاهرة كما أنه
محتاج إلى إدراك عالم النور والغيب والباطن لئلا يتخبط في الجهل والتقليد الأعمى المتسرع في نزق الشباب وغيوم الغفلة.
إن مما لا جدال فيه عند سائر الناس هو الإمكانيات الواسعة التي تكمن في الإنسان من قدرة على النمو والتعلم والتكيف والاستشفاء من عدد كبير من الأمراض.
ومن بين ذلك الطاقة المعنوية والروحية التي يمكن أن يستفيد منها المريض إذا أحسن استعمالها واستغلالها.
وقيمة الفائدة التي يجنيها المريض تكون بقدر قيمة إيمانه وقوة يقينه وطهارة قلبه وصفاء روحه وحسن ظنه بالله وإخلاصه للحق !.
وبداية المحاولة أو نقطة الانطلاق هي قوة الارادة وهي على درجات منها 4، المشيئة 2) وضوح الغاية.
3) العزم 4! التصميم 5) الثبات 6) المثابرة .7) الهمة وهي أعلى مرتبة إرادة المؤمن المرتفع إلى أساس حدود حسن الظن بالذ.
ولكن يمكن القول على وجه العموم في ميدان العبادة إن قوة الإرادة واستعمال التأمل أهم عامل في التفكر الذي
يصل إلى منتهاه في الخشوع العميق.
ولقد لاحظ بعض الأطباء العمليات البيولوجية والفيزيوكيميائية أ ثناء الدخول في التفكر الديني والخشوع العميق
في العبادة.
والبحث العلمي قام في هذه السنوات الأخيرة على يد أطباء اهتموا ب (رد الفعل بالإرادة والتحكم به في
الاضطرابات ).
وتوصل البحث هكذا إلى نتائج لا توجد في مواقف أخرى مئل الإيحاء أو التنويم المغناطيسي. وهذه النتائج هي تغيرات بيولوجية وتغيرات في تسجيل موجات الدماغ الكهر بائية.
أما في الاسترخاء، فإن ما يحدث هو تأثير قوة الإرادة على توتر العضلات الذي له ارتباط بمركزه في النخاع الشوكي حتى يتم استرخاء هذه العضلات ويشعر الإنسان بنوع من الراحة وذلك بفضل انخفاض هذا التوتر العضلي المساعد على الوقاية بل وعلى العلاج لأزمات القلق والانفعالات الشديدة عموما .
إن ما يشاهد بهذا الصدد يوجد أيضأ في اليوكا على نهج الاسترخاء بالإضافة إلى اختيار بعض الأوضاع الجسمية الخصومية الرامية إلى إحداث الاسترخاء في بعض العضلات المعينة خاصة ولا بعض المفاصل المعينة أيضا .
والغاية المنشودة هنا هي الحصول على تخفيض توتر في عضلات أو مجموعة عضلات متضادة.
إن حالة الاستراحة في الاسترخاء مع إغماض العينين تؤثر في المخطط الكهربائي للدماغ بكيفية منتظمة كما
يلي:
ا- الموجات الكهربائية تكون متوسطة ونظمها ما بين 9 و 12 الموجة في الثانية وهي موجات ألفا.
2- بعد فتح العينين ولو في حالة الاستراحة والهدوء تغيب الموجات ألفا وتحل محلها موجات أسرع نظما ، وأقل انتظاما تسمى " النظام الأساسي ".
3- وقد وقع الاتفاق على اعتبار الموجات ألفا دالة على " نظم الهدوء أو السكون ". والموجات أو النظام الأساسي تدل على نظم النشاط أو الحركة.
4- إن أثر الضوء على شبكة العين يفضي إلى اليقظة ونشاط قشرة المخ.
5- وعلى العكس حتى في حالة إغماض العينين فإن التفكير في موضوع أو مشكلة يفضي إلى غياب موجات ألفا.
6- إن الشخص القلق ولو قفل عينيه لا تظهر عنده موجات ألفا.
7- إن الاختبار التجريبي عند رهبان البوذية " زان " تبين أن موجات ألفا تظهر عندهم في حالة التفكر وعيونهم مفتوحة. وإن فتح العينين لا يفضي إلى غياب هذه الموجات الكهربائية الدماغية.
8- هذا الموقف عند هؤلاء الرهبان يقود إلى التفكير، أن موجات الدماغ " ألفا " لديهم مخالفة لموجات حالة السكون- والهدوء، لأن مخ التفكر يتعلق بنشاط فكري رفيع، ولا يقع فيها وقف النشاط الفكري كما هو الحال
في الهدوء والسكون.
9- إن تجارب الدكتور " داس " والدكتور " جاسطو " قائمة على تسجيل مخطط الدماغ الكهربائي عند "اليوغي ".
11)- يكون المخطط على شكل موجات " ألفا " عند الدخول في حالة التفكر مع إغماض العينين.
2)- هذه الموجات تغيب فورا عند فتح العينين.
3)- ثم إنها تغيب أيضا لدخول الدماغ في نشاط فكري متصل بالبحث عن " الصورة " التي تتكون منها (نقط الانطلاق: Starting Point) وتوارد الخواطر الناتجة عنها ا.
4)- وسرعان ما تظهر موجات " ألفا " عندما تنمو عملية التفكر الباطني.
5)- هذه الموجات لا تغيب حينئذ ولو فتح الراهب عينه مما يدل على حدوث شيء معين في قشرة دماغ الشخص.
6)- وأخيرا بعد ردح من الزمان تظهر موجات أكثر بطئا أي أقل سرعة تتراوح ما بين 7 إلى 8 موجات في الثانية وتدعى هذه الموجات موجات THETA waves والتي تنتشر على مساحة الرأس كلها .
7)- إن ظهور موجات "ثيتا " يحتمل أن يتسبب عن الدخول في " مجال الفراغ " إلى الخلو من العلاقات والتحرر من " ا لأغبار .
8)- إن استمرار موجات " الفا " بعد فتح العينين لدليل على قطع الارتباط بالمحيط وتعلقاته.
9)- هذه الحالة الدماغية لا تلاحظ لا في الاسترخاء ولا في التنويم ولا في الحالات الشرطية " Conditioning " من ناحية الاستقلاب أي التمثيل " " بعد الاستعداد للتفكر ثم الدخول فيه ثم الاستراحة من حالة هذا
التفكر يلاحظ:
أ- انخفاض ضغط الدم ودقات القلب وحركة التنفس .
2-. ثم يبقى ضغط الدم مستقرا ولكن دقات القلب تنهار إلى أقل من 30 في الدقيقة والتنفس ينقص ويضعف عمقا ونظمأ.
3- إن استهلاك الأوكسجين ينخفض سريعا من 251 سم مكعبا في الدقيقة أثناء مرحلة الاسترخاء إلى 211 سم
مكعبا ثم ترتفع في مرحلة ما بعد التفكر إلى 242 سم مكعبا في الدقيقة.
4- ن طرح الغاز الكربونيك ينزل من 9 1 2 سم مكعبا إلى 87 1 سم مكعبا في الدقيقة أي ينخفض من حالة الاسترخاء إلى حالة التفكر ثم يرتفع إلى 219 سم 3 من جديد في مرحلة ما بعد التفكر.
إخراج أي طرح الغاز الكربونيك
وهكذا إن النسبة : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
استهلاك ( امتصاص ) الأوكسجين
لا تتغير اللهم ني يخصص آخر مرحلة التفكر حيث يرتفع طرح الغاز الكربونيك بكيفية خفيفة.
5- إن ما يتغير هو استهلاك الأوكسجين بحيث إن نسبة 2/2 .
6- إن هذا التغير الذي يظهر بانخفاض استهلاك الأنسجة للأوكسجين مع المحافظة على نسبة إخراج أو طرح الغاز الكار بونيك.
7- إن نظام التنفس ينخفض بكيفية تلقائية لا إرادية.
8- ثم إن التجربة الرامية إلى تخفيض مقصود إرادي (على العكس من الكيفية اللا إرادية) لظام التنفس يزيد من احتياج الأنسجة إلى الأوكسجين لأن طرح الغاز الكربونيك لا يحدث بكيفية كافية الشيء الذي ينتهي بالتسمم وإمكان الخنق وضرورة وقف التجربة من جراء ذلك.
و- إن مرحلة التفكر تجعل الاستقلاب (التمثيل) يى ميل إلى العمليات الحيوية مع وجود الأوكسجين:
بدلأ من العمليات الحيوية يدون أوكسجين " " في التبادلات الاستقلابية.
إن هناك نسبة محددة للدورة الاوكسجينية والدورة اللا أوكسجينية بحسب الشروط في العمليات الهرمونية
وعمليات التغذية التي تحتم هذه الدورة أو تلك.
ترتفع العمليات اللا أوكسجينية بقدر ما يرتفع الحامض اللبنيكي.
إن طرح الحامض اللبنيك أثناء الاسترخاء في مرحلة ما بعد التفكر يقدر بنسبة 11,4 في الساعة
لكل 155 سم مكعبا من الدم الجاري.
ثم إنه ينزل إلى 9 سم مكعبا أثناء التفكر، بل ينخفض في الفترة المباشرة لما بعد التفكر إلى 7.3 لكل 155 سم مكعبا .
15- ومن المعلوم أن هذا المركب اللبني يعتبر من الفضلات الناتجة عن التقلص العضلي وأن نقصان كميته لا يرتبط بانخفاض التوتر العضلي كما يتبادر إلى الذهن لأولى وهلة لاننا نلاحظ وجود هذا الانخفاض في التوتر خلال فترة الاسترخاء ولا يقع عليه أي تغير.
11- إن نسبة إفراز المركب اللبني تقدر ب 11.4 مج) في بداية الاسترخاء ثم ينحدر إلى 10125 في 155 سم مكعبا آخر هذه المرحلة ولا ينخفض بسرعة إلا عند الدخول في التفكر.
12- وهذا معناه أن التفكر العميق يجعل الاستقلاب يميل إلى العمليات الحيوية مع وجود الأوكسجين.
13- وهذه الظاهرة تحدث اولا مع نقصان التوتر العضلي عموما ولكن خصوصا بسبب التأثير في الأمر بعملية الاستقلاب نفسه.
14- إن مركز هذا الأمر الدافع للاستقلاب يوجد في الدماغ ومنه ينطلق إلى أنسجة الأعضاء مرورا بطرق الجهاز العصبي المستقل (أي الودي) الذي يعمل على توسيع قطر الأوعية ويؤثر في الإفرازات الهرمونية والذي هو نفسه يفرز هرمونات ذات أهمية كبيرة ـ بالنسبة للجسم كله والدماغ على وجه الخصوص. ومن بين هذه الهرمونات نخص بالذكر النور ادرينالين.
15- إن ارتفاع نسبة العمليات الحيوية في جو الأوكسجين تعود بالمنفعة الجمة على العضوية.
إن بعض الأطباء يؤملون ويبحثون على عقاقير تقودهم إلى نفس النتيجة لمعالجة الذبحة القلبية والجلطة
الدموية. ثم إنه من الأهمية البالغة أن نتذكر أن السرطان يقترن بميل الاستقلاب في جو بلا الأوكسجين. وهذا
يبعث على اعتبار الأوكسجين وسيلة تساعد على الوقاية من السرطان قبل ظهوره وقبل ضرورة العلاج.
16- بناء على ما سبق يمكننا أن نقول إن التفكر والخشوع يمكننا من الحصول على هذه النتيجة بنشاط الجهاز الودي المستقل والتأثير عليه بتخفيض نسبة النور ادرينالين.
17- إن نقصان نشاط الجهاز العصبي الودي لا يحصل بمحض عامل الإرادة فقط .
أما العقاقير فإنها محدودة المفعول.
18- إن التفكر والخشوع حالة تثير في الجسم تغيرات كثيرة مجتمعة ومرتبطة، في حين أن العلاج بالعقاقير لا يقوم إلا يعمل جزئي ولا مفعول لها لتحويل الاستقلاب من الجو الأوكسجيني إلى الجو بلا أوكسجين.
إن هذه النتائج من جملة ما توصل إليه البحث عند بعض الأطباء مما يدل على الارتباط الوثيق بين المبنى والمعنى أو ما يسمى بالمادة والروح وإن الغيوم التي كانت تخيم على الصلة بين الروح والجسد أخذت تنقشع منذ توفرت وسائل البحث واتسح نطاق التفكير وتعمق النفوذ إلى "العالم الصغير". أي عالم الذرة بعد أن أخذ يتحرر تدر يجيا من النظرة السطحية "للعالم الكبير" والتشبث بالقشور دون اللباب.
لقد انتقل الفكر الطبي أيضأ من جمود الحتمية الميكانيكية والسببية الداخلة في حكم العادة كما يقول الإمام الغزالي وبعده الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم إلى الاعتراف بضرورة عوامل معنوية وروحية تفوق حدود الأشياء الظاهرة وتؤثر فيها تأثيرا بالغا وسنها مفعول عامل الإرادة والنية والصلاة والدعاء للنفس وللغير فضلا عن وسائل العلاج الأخرى الخارجة عن دائرة الطب الرسمي الجامعي.
وهذا التوجه في سائر الأديان مستعمل للعلاج الروحي لأن شبه الإنسان في تشريحه المعنوي كشبه الإنسان في،
تشريحه الحسي. فكما أن الأعضاء التشريحية والوظائف الفيزيولوجية وتركيب الخلايا والأنسجة متماثل عند سائر البشر فكذلك الهيكل الروحاني والنفسي والوظائف العاطفية والعقلية والروحية مبنية بكيفية متشابهة عند سائر البشر وه ا .ميزة الإسلام على المذاهب والديانات إلا في إكمال الدين وإتمام النعمة و " مكارم الأخلاق " بحسب الحديث الشريف وسعة النظرة العلمية للكون والوجود والجمع بين الزمان المحدود والخلود المطلق والظاهر والباطن والغيب والشهادة والماضي والحاضر والمستقبل في قوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام ! حتى يطفن القلب على السنه الإبراهيمية بالعلم لا بالظن.
ولقد جاء الدين الإسلامي موازيا للطب ومساندا له في تكامل وتوافق.
إن وسائل العلاج الروحي كثيرة أهمهما من الوجهة الدينية:
أ) الإرادة والصمت والعزلة والتركيز وحضور الذهن.
2) التوجه وحسن الظن بالته وإخلاص النية والعمل.
3) الأيمان واليقين " إيمان وإسلام وإحسان).
4) الصلاة والخشوع ونور كلمات الفاتحة والسورة.
5) الذكر والدعاء داخل الصلاة وخارجها وتلاوة القرآن.
6) الفكر والتفكر والتأمل والاعتبار والاستبصار بالحكمة.
7) أسرار الشريعة وفوائد تطبيق العبادات والمعاملات.
والاعتقاد الجازم بحقيقة!مائل التعاليم الدينية وبركاتها وتزكيتهما للنفس البشرية والتحقق من قول الله تعالي :(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، (7/ 96) وغيرها من الآيات الكريمة .
أما شروط الاستجابة فإنها ترجع كلها إلى الاستعداد بتطهير القلب من الشكوك أولا ومن التقصير والمعا صي
والذنوب ثانيا ومن التشاؤم واليأس ثالثا حتى ترتفع الحجب والادران.
وهذه الحالة تتم بالمعية أي بالتقرب من الحق سبحانه حتى يكون مع العبد عند اللجوء إليه- فإذا كان الإنسان
مع ربه يكون الخالق مع المخلوق بمقتضى الطاعة " إن الله مع المتقين.... ومع المحسنين.... ومع الصابرين المتطهرين بأنواع الطاعات ".
ثم إن هذا المولف يدخل في دائرة مايسمى بالتكيف أو التوافق بحسب المصطلحا ت الحديثة ولكن بكيفية أعمق وواسعة الآفاق بالمقارنة مع المعنى الضيق المحدود لمصطلح التكيف أو التوافق في علم النفس المحاصر وبحسب استعمال كلمة " البيئة " التي ينبغي أن " يتكيف معها أو يتوافق معها " الإنسان.
غير أن هذه البيئة يجب أن تكون بدورها عميقة المعنى واسعة الآفاق حتى يحصل الشفاء وتنتشر السكينة وتعم الطمأنينة ويعود التوازن والاعتدال ولهذا لا بد أن يتسع معنى " البيئة إلى الأنواع الآتية التي تراعي وحد ة الكيان
الإنساني وارتباطه بالكون في العالم الخارجي والعالم الداخلي وعالم الباطن النفساني وعالم الغيب الذي يؤمن به.- وهذه الأنواع هي:
ا) البيئة المكانية الجوية الجغرافية بما فيها من محيط مادي جاف أو رطب وهواء طلق أو ملوث وماء نقي وصالح وشمس وصلتها بالحياة المادية والبيولوجية.
2) البيئة الداخلية بحسب تعبير:
وهو الدم الذي يجري في عروقه ويسري في الجسم كله دون اضطراب في توازن مركباته واعتدال وظائفه
وما يحمل من بروتينات وأدهان وسكريات وأملاح وفيتامينات وهرمونات ومعادن نادرة وكريات وما يتبعها.. الخ...
3) البيئة النفسانية انطلاقا من المزاج إلى الحياة العاطفية والجمالية والغريزية والمكتسبة.
4) البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط بالإنسان وتؤثر في تكوينه وتربيته وتوجيهه والتحكم في مصيره من أسرة ومدرسة وشارع وإدارة وعمل.
5) البيئة الخلقية والجو المعنوي الصالح بالفضائل أو الفاسد بالرذائل وتأثيره على النفوس وتربيتها وتطمينها وتهذيب الغرائز فيها وتطهيرها بمكارم الأخلاق أو العكس فصل التربية عن التعليم والإخلال بالفضائل وإهمال باب الإحسان والمكارم.
6) البيئة الفكرية التي تكتنف الحياة العقلية وتتكون من الأفكار والآراء والمذاهب والفلسفات والمعتقدات العرفية والعلمية أو شبه العلمية و الاديولوجيات والتيارات المعنوية والتربوية والثقافية عموما.
7) البيئة الروحية العليا القائمة على المعقولات السامية العليا بالمقارنة مع المحسوسات السفلى والداخلة في دائرة " علم القلوب " انطلاقا من الإيمان بالغيب والبراهين التاريخية والتفكر العميق في الآفاق وفي النفس بحسبنص القرآن الكريم إلى السلوك في سلم مراتب النفوس والترقي والعمل من أجل العلم الرباني والسعادة الأبدية والانتقال من درجة أدنى إلى درجة أعلى منها على صراط مستقيم.
وهذا التوافق أو التكيف الشامل رغبة في الحق والخير للحصول على سلامة الجسم والنفس والعقل والقلب
والروح هو الذي يعطينا صورة واضحة على شمولية الإسلام وأفضليته وميزته الخاصة به والفريدة في نوعها والتي تتلخص في الأصول الخمسة وهي النفس والعقل والدين والنسل والمال وتحيط بها التعاليم الإسلامية من كل جانب. وعلى ضوء ما سبق تكون الطاعة وهي الدين بعينه مرادفة لكلمة " توافق أو تكيف " وتكون التقوى هي باب الطاعة وأهم شروط الاستجابة. في التوجه إلى الله وهو نور السموات والأرض... وما التوافق أو التكيف في آخره المطاف وفي حقيقة الأمر الانسجام مع حكمة الله ونوره في الكون وكل معصية ما هي إلا مرتبة من مراتب البعد من الحق وعدم الانسجام مع حكمته العليا ونظامه الدقيق المحكم في الوجود.
إن النفس بريئة في بداية أمرها، خلقت في أحسن تقويم كما يقول القرآن الكريم. فهي مؤهلة للاستجابة
بحسب فطرتها وبراءتها الأولى.- وكل نفس تتخط في الذنوب والمعاصي تتراكم الحجب بينها وبين نور خالقها فتكتنفها الظالمات من كل جانب لأنها أصبحت ظالمة لنفسها ولغيرها.
وبحسب مراتب النفوس التي أشرنا إليها فيما سبق تكون سرعة الاستجابة على أساس قيمة الإيمان وقوته ودرجته كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة.-
إلا أن ينشر الله رحمته على العباد بفضل منه وكرم من خزائن جوده.
لكن ما يتبادر إلى الذهن هوأن النفسي الأمارة ليست عند الله في مرتبة النفس اللوامة وأن المطمئنة والراضية والمرضية والعارفة وهي من الذين يعلمون ثم النفس القدسية ترفع لا دعائها وصلاتها درجات بحسب مرتبتها في الطهارة القلبية والمعرفة بربها ونوع اليقين عندها وفضل الله عليها.
إن الصلة بين الخالق والمخلوق مباشرة وليس بينهما إلا واسطة الوحي والنبوة المحمدية التي أشرق منها النور والهدى.- والاستجابة أنواع منها مثلا .
ا) الدعاء اليقيني مع الصبر والتكرار والمواظبة مستجاب بنص القرآن الكريم ( أدعوني أستجب لكم )40/ 60 ويقتضي دوام الرجاء واستمرار التركيز بل والإلحاح مع تصفية الخاطر من الشك والارتياب وتطهير القلب
من سوء النية وسوء الظن.
2) دعاء القريب من الله سريع النفوذ (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء
وا لأرض !. (7/ 96)
وكما جاء في الحديث القدسي المشهور: " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت
سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها.. إلى آخر الحديث ".
والسر في ذلك هو أن المخلوقات كلها تحمل إمكانيات ضخمة وطاقة هائلة سواء في الأجسام والماد- أو في النفوس و الحياة المعنوية. ولا أدل على ذلك ما وصف إليه اليوم علم الفيزياء من تفجر الطاقة الذرية.- كذلك في! يتعلق بالطاقة الكامنة في النفسي البشرية والقدرة الروحية بعد إخلاص النية وتركيز الإرادة وتطهير القلب وخصوصا التحرر التام من الأغيار والقواطع والشواغل الحاجبة للقلوب والمكدرة لصفائها.
أ - فالأغيار هي الأهواء التي يتخذها الإنسان معبودة له وهي التعلقات بكل ما سوى الله وهي أسباب الشرك الصريح والشرك الخفي كالوثنية الجديدة مثل الزعيم والعقلانية والمادية و الداروينية والماركسية والفرويدية والر أسمالية والتراب والرأية والذهب أي العجل الذهبي وكل ما من شأنه أن يشغل القلب ويعرضه للهم والغم الوسواس والعدوان والشجار أو على الأقل القلق والضجر والعصابات المتنوعة والشعور بالفراغ العقائدي والضياع الروحي والعبث المنطقي والفكري بالإضافة إلى الخوف والاكتئاب والحياة البيولوجية على صلة وثيقة با (عواصف الفكرية والعاطفية خصوصا إفراز النور ادرينالين المرتفعة أثناء الهزات العصبية.
ب) والقواطع هي الكبائر التي من شأنها قطع الصلة بين الحق والخلق وقطع الطريق المقربة إليه وهي الصراط المستقيم فتضيع حاسة الطمأنينة والانس والسكينة وينحدر المستوى الفكري وتتسع مسافة البعد بين الإنسان وربه وبين الإنسان ونفسه (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ! (59/ 19) " نسوا الله فنسيهم " (67/9)
إن القرب هو أسمى درجات توافق النفس مع الحق والبعد على عكس ذلك هو هدم هذا التجاوب وهذا الانسجام أي هو تفويض الإيقاع المتكامل بين نور الحق والموجات الروحية المتوجهة إليه.
فلا بد إذن من اضطرابات ومشاكل جسمانية ونفسانية واجتماعية على شكل أزمات.
ولا غرو أن هذا الجو المظلم لا يخطر بالبال قطعأ أن تكون فيه صلاة أو دعاء إلا عندما يضمحل الكبرياء
وينهزم الطاغوت (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت، 150/ 90
ب) والحجب والشواغل المؤدية إليها هي المعاصي والذنوب كالتهافت على الجاه والتكاثر المالي والتنافس المذموم وإهمال بعض الواجبات وارتكاب بعض المنكرات وآفاتها وسلوك طريق الضلال من أمراض القلب كالتحايل مع الشريعة وعدم الوفاء بالعهد وتعاطي المخدرات والاشتغال! بعيوب الناس وما إلى ذلك من جراء هذه الانحرافات يتعرض المرء لانطفاء نور الطاقات الكامنة في قرار نفسه.
وعلى العكس مما سبق من ذكر الضلالات تتهيأ الأسباب وتتعبد الطريق لاستجابة الدعاء وقبول الصلوات وارتفاع الذكر إلى سماء الروح وهو من جملة " الكلم الطيب ".
وهذه الطريق كما مر ذكره هي الصراط المستقيم أي إيمان وإسلام وإحسان.
إن سائر العقائد الدينية تأمر بالصلاة والذكر من بين أصناف العبادات الأخرى.
وميزة الإسلام هي في إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الله أن يعبد بدين الإسلام ومعنى ذلك هو كمال الوحي
وتمام المعرفة عند العبد وختم الرسالة بجوامع الكلم فكانت أفضلية الإسلام هي الإحاطة والشمول وأنه لم يبق هناك ثغرة أو عرقلة بين الخالق والمخلوق (قد تبين الرشد من الغي ، (2/ 256)
والطريق سهلة واضحة وهي أقصر طريق لأنها خط مستقيم.
فالمريض يجد فيها العلم الكافي والإرشاد الوافي والأسرار الفعالة لكشف الغمة والكرب وشفاء السقم والمساعدة على الوقاية والعلاج.
ولكن سائر الديانات الكبرى مع ما دخلها من الشوائب والتحريف تدعو أتباعها إلى التوجه بالذكر والفكر والصلاة .
فالذكر هو استحضار أو قل استذكار الحقائق العليا المتصرفة في الوجود وأعلاها الأسماء الحسنى والصفات العليا. والمعنى قريب من نظرية أفلاطون في الاستذكار. والقائلة أن النفس كانت قبل دخولها الجسم البشري عالمة ثم نسيت وأنها بالتعلم تتذكر ما كانت تعرفه من قبل.- والواقع أنها خلقت مستعدة لاقتناء الحقائق والعمل بها في طريق الهدى (وعلم آدم الأسماء كلهات.- (2/ 31) والذكر من هذه الوجهة علم وعكسه الغفلة وهي جهل إما مؤقت واما

مزمن وهو في حد ذاته كان يصنف كداء في قائمة الأمراض! لأنه باب الشر والأضرار من جراء ارتكاب المحرمات والموبقات وخصوصا تعاطي الخبائث.
والذكر أفضل صلة بين الحق والخلق وهو البيئة الروحية التي تتكامل به النفس باتصالها مع عالم الملكوت
وأسرار الغيب أي ما غاب عن الحس.
وأفضل الذكر القرآن الكريم والمأثور من السنة المطهرة. والتجاوب وثيق (اذكروني أذكركم (2/ 152) والذكر باللسان والانضباط والطاعة والجوارح دليل الصدق وسلامة الطوية وبفضل هذا الجمع يسارع المرء للخيرات ودعا الوفاء والعامل الديني بأكمله وقاية وعلاج وحافظ للصحة والدين كما هو معلوم بجمع في كلمات إيمان، إسلام، إحسان.
1) إن ضعف الإيمان يساعد على ظهور الاضطرابات النفسية بل بعض الذهانات الكامنة وراثيا.
2) إن ضعف الطاعة لأوامر الإسلام ونواهيه من محرمات ومكروهات يقود إلى الأمراض الجسمانية الناتجة عن أسباب تناسلية أو المسكرات والمخدرات أو سوء التغذية إفراطا أو تفريطا وعن إهمال مقومات الصحة الأخرى
من ماء وهواء وشمس وحركة وصوم واعتدال في النوم وراحة البال بدوام الفكر والذكر وهدوء العواطف وسكينة
القلب وطهارة النفس.
3) وضعف الإحسان يفتح باب الإهمال لبعض الفرائض أو الواجبات أو السنن ويكون منفذا لدخول الهوا جس والنوايا السيئة والأغراض المذمومة وسوء الظن بالناس والتأويلات الخاطئة وبهذا تنحرف المعرفة عن جادة الطريق وتتكاثر الأزمات النفسية والعائلية والاجتماعية وتظهر بعض الاضطرابات الجسمانية النفسانية والعقلية وخصوصا إذا كانت كامنة في جينات أي مورثات مغلوبة أي مقهورة.
ولقد أقامت المشاهدة التاريخية الدليل على المنفعة العلاجية أو الوقائية العظيمة للأيمان كوسيلة شفائية أو
طريقة مخففة لبعض الاضطرابات العقلية مثل التناذرات الدائرية الوخيمة وعلى وجه الخصوص منها مرض السوداء.
فكلما ظهر المرض في نفس مؤمنة تحول قلقها إلى دائرة المعرفة العليا في القضايا الكبرى للفلسفة الا صيلة والحكمة البالغة مثلما وصفه الإمام أبو حامد الغزالي كمفكر مسلم ومثلما كان الحال عند الفيلسوف الوانصاركي سورون كير كجارد كمفكر مسيحي .
أما إذا تفشى نفس المرض في نفس ملحدة جاحدة فإن القلق والضجر واتهام النفسي وشدة الألم المعنوي وعمق الاكتئاب كل ذلك يفضي إما إلى الانتحار كما وقع للشاعر الفرنسي جيراردو نرفال أو الكاتب الأمريكي أرنست هيميجوي أو فيلسوف الحزب الشيوعي الفرنسي لويس آلتوسير الذي قتل زوجته بعد أزمة جنون.
في الحالة الأولى يكون الإيمان أكبر سند وأنس وتخفيف.
وفي الحالة الثانية يكون الجفاف الروحي والقساوة والجحود مدعاة للانتحار أو الأجرام ثم إن الإيمان، يفسح المجال للطاقة الروحية أن تتحرك وتخرج الإمكانيات المعنوية من القدرة إلى الفعل.
أما الإسلام الذي يشتمل على العبادات والتشريع فإنه يكون أهم طرق الوقاية من عدد كبير من الأمراض وعلاجها عن طريق الطاعات وعلى رأسها الصلاة.- ولقد أفاض التراث الإسلامي في ذكر فوائدها.
ولقد تنبه أيضأ عدد كبير من الأطباء النطاسيين إلى أهمية الذكر وأهمية الصلاة في الميدان الطبي كما رأينا جانب التفكر فيهما في التجارب البيولوجية آنفأ.
ومن أشهر هؤلاء الأطباء في الغرب الدكتور الكسيس كاريل الفائز بجائزة نوبل ومؤلف كتاب: " الانسان،
ذلك المجهول ".
لقد نشر بحثا قصيرا عن مفعول الدعاء والصلاة الطبي ومن جملة ما جاء فيه:
".... إن هذا البحث عن مفعول الدعاء والصلاة هو ملخص وجيز جدا لكمية لا تحصى من المشاهدات
خلال حياة طويلة في مهنة الطب مع أناس من أنواع مختلفة من الشرق والغرب ومع مرضى وأصحاء ومع قساوس كاثوليكيين، ورجال ونساء من الدوائر الدينية، ورهبان بروتستانتيين من كل صنف من صنوفهم ومع حاخامات ومع أطباء وممرضات ورجال ونساء من سائر المهن والطبقات الاجتماعية.
" وعلاوة على ذلك فإن تجربته كجراح وكطبيب وعالم فيزيولوجي وأبحاثه المخبرية لمدة سنوات طوال حول تحديد الأنسجة " وتضميد الجروح والتئامها.
كل ذلك مكننا من معرفة قيمة الصلاة العلاجية.... ثم يستطرد الدكتور كاريل قائلا: " يظهر لنا لأول وهلة
أن الخطاب الموجه للإنسان المعاصر عن الدعاء والصلاة لا طائل من ورائه ".- ولكن أليس من الضروري أن نعرف كل أنواع النشاط الذي نستطيع إنجازه؟ لأنه لا يجمل بنا أن نترك جانبا من بعض وجوه هذا النشاط وأن لا نستفيد منها دون أضرار جسيمة تلحق بنا وبالأجيال من أبنائنا.- إن هزال حاسة التقديس وضمورها وضمور الشعور الخلقي لا يقل ضرره عن ضرر هزال العقل وضموره... إن هذا الضمور يجعل من الانسان المعاصر أعمى من الوجهة الروحية....
وهذا العجز لا يسمح له من أن يكون عنصر أصالحا لتكوين المجتمع. وهذه القيمة الرديئة للفرد هي السبب في انهيار حضارتنا... إن حاسة التقديس تتجلى قبل كل شيء في الصلاة......
" عندما تصير الصلاة والدعاء والذكر مسألة عادية وعندما يكون ذلك بخشوع فإن المفعول يصبح واضحا غاية الوضوح.- وتأثيره هذا يشبه نوعأ ما تأثير غدة صماء مثل الغدة الدرقية أو الكظراي غدة ما فوق الكلي.- فيفضي إلى تحول ذهني وعضوي.- وهذا التحول يتم بكيفية تدريجية. وكأن نورا يوقد داخل النفس الشاعرة الواعية.- فيرق الانسان نفسه كما هو: أنه يكتشف أنانيته، وأطماعه وأخطاء الحكم عنده، وكبرياءه ثم يخضع للواجب الخلقي والقيام به. ويحاول اكتساب التواضع المعنوي فيفتح أمامه باب الألطاف الربانية... وتدريجيا يدخله الهدوء في خلده، وينسجم لديه النشاط العصبي والخلقي، وتنمو قدرته على تحمل الفاقة والتهم والكروب وتزيد طاقته على الصبر لموت الأقارب دون ضعف يرتفع الجلد للألم والمرض والموت ولهذا ينبغي أن يدخل السرور قلب الطبيب

حينما يرى المريض يتهيأ للصلاة والدعاء والذكر إن الهدوء الناتج عن ذلك ليساعد مساعدة قوية على العلاج و ا لشفاء ".....
" إن الشيء الذي لفت أنظار الناس عبر العصور هوى عول الدعاء والذكر والصلاة في الشفاء... إن النتائج المترتبة عن الابتهال إلى الله لا تتجلى للعيان إلا في الأحوال التي فشلت فيها سائر طرق العلاج. من أي نوع كانت "...
" إن مفعول التوجه إلى الله يكتسي في بعض الأحيان صبغة انفجارية. لقد لوحظ أن الشفاء تمر عند بعكس المرضى في لمح بصر، من علل مثل داء الذئب في الوجه والسرطان والتهابات الكلى والقرحة، والسل الرئوي والعظمي والهربي أي البريتوني ".
" وهذه الظاهرة تحدث دائما على شكل تقريبا دائما أي يظهر ألم كبير ثم الشعور بالشفاء.- ففي ثوان معدودات أوفي بضع ساعات، تذهب الأعراض وتلتئم الآفات التشريحية والمعجزة هنا في السرعة العظيمة لعمليات الشفاء العادية ولم يشاهد أطباء الجراحة وعلماء وظائف الأعضاء خلال تجاربهم هذا النوع من الإسراع ".
ثم يقول المؤلف في ناحية أخرى " (ن المجتمعات التي يضيع فيها الشعور بالحاجة إلى التوجه إلى الله لي!ست
بعيدة على وجه العموم من الانحلال! والانهيار.... ".
".... إنه يمكننا أن نعتبر حاسة التقديس شبيهة بالأكسجين وأن التوجه إلى الله بالدعاء والذكر والصلاة شبيه بوظيفة التنفسي..... ".
لقد ركز كثير من العلماء والمفكرين مجهوداتهم وأبحاثهم وتأويلاتهم حول الطاقة النفسية وقوة الإرادة وعمق التفكر والتأمل للعثور على تفسير بمفعول الدعاء والابتهال والذكر والصلاة وأخذوا يقتربون من الإجماع على وجود بيئة روحانية بدونها تفقد المادة الحية معناها وقيمتها وغايتها وتكون هي نقطة الوصل بين المخلوق وهو جسم وروح وبين الخالق وهو كما يقول القرآن الكريم (ليس كمثله شيء! (42/ 11) (يمحو الله ما يشاء ويثبت !، (13/ 39) وأيضا (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون { .
والدين الإسلامي واضح صريح في استجابة الله للداعي (أجيب دعوة الداعي إذا دعان {
(2/ 86) فالدعاء في الإسلام وحتى في غيره من الديانات له شروط وآداب كلها مبنية على طهارة القلب وصفاء النفس،.
!) التفويض إلى الله والعلم بضرورته ورحمته الواسعة.
2) الأيمان بأنه على كل شيء قد ير.
3) النية الصالحة.
4) حضور القلب والخشوع وهو مراتب يتفاوت فيها الناس.
5) اجتناب أكل الحرام.
6) تكرار الدعاء والمواطبة عليه.
7) احترام الشرع في طلب الحلال والطيبات.
8) من آداب الدعاء استقبال القبلة ورفع اليدين ومسح الوجه بهما أسوة برسول الله عليه الصلاة والسلام وعدم رفع البصر إلى السماء وخفض الصوت وكلام دون لسجع والحمد دثه مهما كانت الأحوال ودوام الرجاء و ا لتفاؤل...،.
ولا ينبغي أن يفهم من الدعاء الاقتصار على الطلب في التوجه، وإنما معناه الواسع يجعله ممكنا خارج الصلاة وداخلها ومراعيا أن يدعو الانسان بالهداية مع الطلب لقضاء الحوائج ومنها العافية والصحة ولذلك كان مفهوم الإيمان ومفهوم الإسلام ومفهوم الإحسان وحدة متماسكة يجب الخضوع لأسرارها وحكمتها.
وطهارة القلب مع صفاء النفس من المكدرات والمعاصي وغيرها أسرع طريق وأقصرها للحصول على سلامة النفس والقلب والجسد والعقل.
وهذه الوحدة المتماسكة تظهر في اعتدال الجهاز العصبي والجهاز الهرموني والوظائف النفسية والطاقات الروحية حتى يكون الانسان قائما" على الشعور بالانسجام في مقومات وبالتالي الشعور بالهدوء والسكينة والراحة والغبطة بعد رجوع الصحة إلي توازنها.
ولقد حاول بعض الأطباء تقريب فهم مفعول الدعاء والابتهال والصلاة فشبهه بتأثير الأصوات في الطريقة الحديثة التي تعالج بالصوت، فالتوجه إلى الله يرفع إليه أمواجا روحانية إما بالتفكر وإما بالذكر واللجوء إلى الأسماء الحسنى والصفات العليا إن المشاهدات الطبية كثيرة وأغلب المعروف منها ما هو مدون في تقارير الأطباء في الأماكن المقدسة عند المسيحيين مثل لورد.
ولكن الطريقة الجديدة في العلاج باسم أي التحكم في الذات وفي اضطراباتها بالإرادة والتفكر والهدوء والاسترخاء جاءت لتساعد على إدراك الطاقة الإرادية والروحية التاملية وقدرتهما على إدخال عامل السكينة والاعتدال الشيء الذي نشاهده في أحوال التعبد الخاشع عند المؤمنين.
إن أصحاب هذه الطريقة في الاستراحة والاسترخاء يقارنون ما يشعرون به من غبطة بما كتبه الزهاد والعباد عن أحوالهم النفسية السعيدة.
ثم إنه توجد نظريات تغزو أغلب الأمراض إلى الاضطرابات النفسية والمعنوية في البيئة الاجتماعية فضلا عن التلوث المادي والمعنوي و التسممات والإرهاق الفكري. فلقد رفع تقرير هذا الشهر من هيئة عمالية إلى الحكومة البولندية يشير إلى موجة من أمراض القلب وقرحة المعدة والأمراض العقلية و الانتحارات بعد فرض قانون الاستثناء العسكري في البلاد ضد نقابة العمالة الحرة.- وهذا أقوى دليل على ما سلف ذكره من أن سلامة الذات وصحتها يستلزم الإيمان بمعنى العزم والاعتماد على الحق والإسلام بمعنى شريعة العدل والحرية والكرامة والطيبات من الرزق وتحريم الخبائث ما ظهر منها وما بطن والاحتساب بمعنى الاجتهاد في إخلاص النية وطهارة القلب وصفاء النفس ودوام الذكر والفكر والرجاء والبر وعمل الخير عموما وأن الاضطرابات الجسمانية والإرهاب الفكري مجلبة للمرض.
ولهذا يجب التبيه إلى فوائد الطاعة وهي الدين في الوقاية والعلاج والاستفادة من التجارب التي أقامت البرهان
على مفعول التوجه إلى الله في كل ظرف وحال.
فإن الفائدة ظهرت في اضطرابات فيهـا بحسب قيمة الإيمان والدعاء ومنها:
ا) التئام الآفات و تضميمها.
2) إصلاح الاضطرابات القلبية.
3) التحكم عن في الاضطرابات الجسمانية النفسانية كما تستعمل الإرادة للتحكم في الألم.
4) رفع التوتر العضلي وحصول الاسترخاء.
5) تحسين الاضطرابات النفسانية.
7،) المساعدة على النمو الفكري فإن الانسان يخرج من صلاته ودعائه بمعرفة جديدة كما جاءت به الأخبار في وسائر الحضارات "
7) الوقاية من أغلب الأمراض في الإسلام بالاستفادة من سجائر الطاعات برعاية:
ا) حقوق الله أولا وقبل كل شيء لأنه نور.
2) حقوق الناس للشعور بالتكيف التام.
3) رعاية حقوق النفس وهي من الأصول الخمسة.
4) رعاية حقوق المخلوقات كلها حرصا على سلامة البيئة من تربة ومياه وهواء ونبات وحيوان لأنها مسخرة لتكون من الطيبات لا من الخبائث.
ثم أن الفرائض والواجبات والسنن واجتناب المحرمات والمكروهات وطلب المستحبات والمندوبات كلها تدخل في المصلحة العامة والخاصة للمحافظة على أحسن تقويم جهد المستطاع حتى تحصل السلامة على الأشكال الأربعة وقاية ثم علاجا أحيانا.
() الجسم السليم من الآفات والأمراض العضوية.
2) العقل السليم من الذهان.
3) النفس السليمة من العصابات.
") القلب السليم وبه يلقى العبد ربه وخالقه.
أما الروح فهي تلك القبسة الربانية النورانية الظاهر مفعولها برفع الحجب من الاضطرابات التي تصيب الجسم والعقل والنفس والقلب الذي قيل عنه " أن القلب من التقلب ".
ولقد أجريت تجارب وكتبت مشاهدات صبيه حول تأثير اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء
والتضرع والصلاة وفي الإسلام بسائر العبادات ومنها الصدقة والصوم والحج والعمرة ومراعاة الزكاة لأنه من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون! (59 لم 9) حسيا ومعنويا.

ثم إن الدعاء للغير أقوى وأنفع من الدعاء للنفس أن المستفيد منه يجني ثماره بلسان غيره الذي لم
يعص الله به .
والطلب واللجوء إلى الله يؤثر حتى في الجمادات كما هو الحال في صلاة الاستسقاء عن طريق رفع الأمواج الروحانية إلى الملا الأعلى وكما هو الحال في تأثير الدعاء في النباتات حسب تجارب القديس فرانكلس لوهر ".
من المؤسسة الدينية للأبحاث "أنظر في كتابها:
أجريت هذه المحاولات على مرضى من سائر الديانات بدون استثناء وهم عباد الله على شاكلة جسمانية ونفسانية واحدة بوظائف فيريولوجية ونفسية واحدة.
والدين الإسلامي بشموليته المتميز يجمع بين الفوائد المادية والروحانية للاستشفاء فيربى المسلم بأن يستعمل عين البصر والبصيرة على السواء، تلك البصيرة التي صارت عمياء في العصر الحديث.
فعندما يوصي رسوله الله صلى الله عليه وسلم بالحديث الشريف " عليكم بالشفائين العسل و ا لقرآن ".
فإن ذلك يربي المؤمن على الجمع بين عالم الشهادة وعالم الغيب لأنه متصل بهما معأ. وعندما يعلمنا التراث الإسلامي أن العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان فذاك لأن روح الأمة تنظر بعين البصر والبصيرة حتى لا ينقطع البحث العلمي والمحاولات المتعددة وحتى يبقى باب الرحمة والرجاء مفتوحا على مصراعيه.
المصادر العربية:
أ) القرآن الكريم والأر يعين حديثا النووية.
2) الطب النبوي لابن قيم الجوزية.
3) اللطائف والطب الروحاني لعبد الرحمن بن الجوزي.
4) الروح وماهيتها للسيد محمد محمد الجبريري البيومي.
5) علم القلوب لأبي طالب المكي.
6) التحفة المرضية للشيخ عبد المجيد علي.